فهرس الكتاب
إليها لا يُرجَعون) فهذا فضلٌ عظيمٌ للشهيدِ ومنزلةٍ عاليةٍ، نسألُ اللهَ - عز وجل - أن يجعلَنا جميعًا من الشهداءِ في سبيلِه، والله تعالى أعلم.
قال البخاريُّ رحمه الله:
باب الجنةِ تحتَ بارقَةِ السُّيوفِ.
وقال المغيرةُ بنُ شعبةَ: أخبرنا نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - عن رسالَةِ ربِّنا:"مَنْ قُتِلَ منا صارَ إلى الجنةِ". وقال عمرُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم: أليسَ قتْلانا في الجنةِ وقتلاهُم في النارِ؟ قال: بلى.
35 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ محمد، حدثنا معاويةُ بنُ عمروٍ، حدثنا أبو إسحاقَ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن سالمٍ أبي النضرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله ـ وكان كاتبَه ـ قال: كَتَبَ إليه عبدُ الله بنُ أبي أوفى رضي الله عنهما أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"واعلموا أن الجنةَ تحتَ ظلالِ السُّيوفِ".
تابعه الأُوَيْسيُّ عن ابنِ أبي الزنادِ عن موسى بنِ عُقبةَ.
هذا الحديثُ في فضلِ الجهادِ في سبيلِ الله، وهو متضَمِّنٌ أيضًا لفضلِ الشهادةِ، لأن وجودَ المجاهدِ تحتَ بارقةِ السيفِ أو تحتَ ظلِّ السيفِ يترتَّبُ عليه كثيرًا أن يُقتَل في سبيلِ الله.
ولأجلِ هذا بعدما ذَكَرَ الإمامُ البخاريُّ رحمه الله عنوانَ البابِ عَلَّقَ روايتينِ وصلَهُما في غيرِ هذا الموضِعِ من نفسِ الصحيحِ، فذكرَ قولَ المغيرةِ (أخبرنا نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - عن رسالةِ ربِّنا:"من قُتِلَ منا صارَ إلى الجنة") وذكر قولَ عمرَ (أليس قتلانا في الجنةِ وقتلاهم في النار؟) سألَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فقال له: بلى. فذكَرَ القتلَ هنا والعنوانُ ليس فيه القتلُ، ولكن كما قلتُ: العنوانُ يتضمنُ حصولَ القتلِ.
ومن بلاغَةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (الجنةُ تحتَ ظلالِ السيوف) ولا يكون الشخصُ مظلَّلًا بالسيوفِ إلا إذا غَمَسَ نفسَه في ساحةِ القتالِ وأصبحتِ السيوفُ من كثرَتِها فوقَ رأسِه كأنها تُظِلُّه. وهذا حثٌ على بذلِ النفسِ في سبيلِ الله، والحرصِ على الشهادةِ، والشجاعةِ وعدمِ الجُبْنِ.
وقولُه (الجنة تحت بارقة السيوف) في عنوانِ البابِ، يشيرُ إلى حديثٍ جاء بنحوِ هذا اللفظِ
(وبارقةُ السيوف) أي: لَمَعانُها، من البريق.
وقولُه (من قتل منا صار إلى الجنة) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرَ (بلى) لما سأله (أليس قتلانا في الجنة) أخذ منه أهلُ العلم أنه يُطلَق على قتلى المسلمينَ بصفةٍ عامةٍ أنهم في الجنة، وهذه بشارةٌ طيبةٌ، ولكن يُحذَرُ من وصفِ شخصٍ بعينه أنه في الجنةِ لأنه ليس من منهجِ أهلِ السنةِ والجماعةِ أن يُقطَعَ لمعيَّنٍ بالجنةِ ولكن يُرجى له، فيُرجى لكل من قُتِلَ في معركةٍ للمسلمينَ أن يكونَ من أهلِ الجنة ولكن لا يُجزَمُ له بذلك وإنما يُحكَم على وجهِ العموم أن قتلى المسلمينَ في الجنةِ بإذن الله تعالى.