فهرس الكتاب
تشويهٍ كقطعِ أنفٍ ونحوِ ذلك، فوُضِعَ بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذهب جابرٌ يكشفُ عن وجهِ أبيه فنهاه قومُه، ولعلَّ ذلك إرفاقًا به حتى لا يَرى هذه المثلةَ التي مُثل بها وجهُه. فسمعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - صوتَ نائحةٍ، يعني: امرأةً تصيحُ. (فقيل هي ابنة عمرو أو أختُ عمرو) يعني: شكَّ الراوي هل هي ابنةُ عمرو أو أختُ عمرو. (فقال: لم تبكي أو لا تبكي) أيضًا شكَّ هل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَ تبكي أو قال لا تبكي، (ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) أي: لا داعي للبكاءِ لأن هناك سلوى تجعلُ المسلمَ كما قلنا يَتَصَبَّرُ ويتحمّلُ، لأنه عندما يعلمُ الفضلَ العظيمَ الذي نالَهُ هذا الشهيدُ، أو هذه الدرجةَ العاليةَ التي كتبها الله - عز وجل - له يذهبُ ما في نفسِه من الحُزْنِ والأسى لفراقِه لأنَّ ما هو فيهِ خيرٌ مما كان فيه. (قلتُ لصدقة: أفيه: حتى رفع؟) يعني: الإمامُ البخاريُّ سأل صدقةَ بنَ الفضلِ: هل في الحديثِ لفظةُ حتى رفع، قال: ربما قاله. يعني: شكَّ في هذه الروايةِ هل قال حتى رُفِعَ أم لا، وهي ثابتٌة أيضًا في طُرُقٍ أخرى لهذا الحديثِ، والله تعالى أعلم.
قال البخاري: باب تمني المجاهِدِ أن يرجعَ إلى الدنيا.
34 ـ حدثنا محمدُ بنُ بَشّار، حدثنا غُنْدَرٌ، حدثنا شعبةُ قال: سمعت قتادةَ قال: سمعت أنسَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ يُحِبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا وله ما على الأرضِ من شيءٍ، إلا الشهيدُ يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتلَ عشرَ مراتٍ، لما يَرى من الكرامةِ".
هذا الحديثُ أيضًا في فضلِ الشهيدِ، وبعضُ أهلِ العلمِ يَعتَبِرُ أن هذا أجَلُّ حديثٍ جاءَ في فضلِ الشهادةِ، لأن مضمونَ الحديثِ يُفيدُ أنه ما من أحدٍ يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا ممن يدخلِ الجنةَ إلا الشهيد. لماذا؟ لأنه يرى من كرامةِ الله - عز وجل - أمرًا عظيمًا جدًا فيتمنى أن يموتَ مراتٍ ومراتٍ في سبيلِ الله لعل هذا الفضلُ العظيمُ والخيرُ الجزيلُ يتضاعفُ له، وإلا فكلُّ شخصٍ يدخلُ الجنةَ يزهدُ في هذه الدنيا وما يرغبُ أن يعودَ فيها ولو أُعْطِيَتْ له بحذافيرِها.
فيقولُ البخاريُّ رحمه الله (باب تمني المجاهدِ أن يرجعَ إلى الدنيا) يعني بالمجاهدِ: الشهيدَ لأن الحديثَ في الشهيدِ.
يقول أنسٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ يحب أن يرجعَ إلى الدنيا وله ما على الأرضِ من شيءٍ إلا الشهيدَ يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتَلُ عشرَ مراتٍ، لما يرى من الكرامةِ) ، وقد ذكرنا قبلَ ذلك أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو مَنْ هو تَمَنّى أن يُقتَلَ في سبيلِ الله ثم يُحيا ثم يُقتل ثم يُحيا ثم يُقتل وقد حدثَ هذا مع عبدِ الله والدِ جابرٍ فإن الله - عز وجل - كلَّمَه كِفاحًا يعني: بدون واسطة، وقال له (يا عبدَ الله تَمَنَّ عليَّ أُعْطِكَ، فقال: يا ربِّ تُحْيِيني فأقتلُ فيك ثانيةً، فقال: إنه قد سَبَقَ مني أنهم