فهرس الكتاب
الشيطانُ متمثلًا في صورةِ سليمان على كرسِيِّهِ، ثم ردَّ اللهُ - عز وجل - على سليمانَ الخاتَمَ وعاد له ملكُه وهربَ هذا الشيطانُ وعاقبه سليمان. وتفاصيلُ القصةِ فيها مقالٌ لأنها لا تثبُت إلا بمجموعِ طُرُقِها وكما قلتُ هذا التفسيرِ هو الذي رجَّحَهُ علماءُ المفسرين من الكبارِ كالإمام الطبري ونحوه، وعليه فسلفُ الأمة لم يفسروا الآيةَ إلا بهذه الروايةِ ولم يفسروها بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب الشجاعة في الحرب والجبن.
37 ـ حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الملك بنِ واقدٍ، حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ - رضي الله عنه - قال:"كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحسنَ الناسِ وأشجعَ الناس وأجودَ الناس. ولقد فَزِعَ أهلُ المدينة، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - سَبَقَهم على فرسٍ وقال: وجدناه بحرًا".
38 ـ حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزهري قال: أخبرني عمرُ بنُ محمدِ بنِ جبير بن مُطعِم أن محمدَ بنَ جُبير قال: أخبرني جُبيرُ بنُ مطعمٍ أنه بينما هو يسيرُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه الناس مَقفَلُهُ من حُنَين، فَعَلِقَتِ الناسُ يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرَةٍ فخطفت رداءَه، فوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"أعطوني ردائي، لو كان لي عددُ هذه العِضاهِ نَعَمًا لقسمتُه بينَكم، ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذوبًا ولا جبانًا"
حديث الباب الأول، وهو عن أنسٍ - رضي الله عنه - فيه وصفُه للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه كان أحسنَ الناس وأشجعَ الناس وأجودَ الناس، ولا شكَّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعتْ فيه صفاتُ الحُسْنِ والكمالِ البشري كله، ومن ذلك الشجاعة والبابُ يتكلمُ عن الشجاعةِ والجبنِ في الحربِ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ"، ولا شكَّ أن الجبنَ من أنواعِ الضعفِ والخَوَرِ. فالمؤمنُ القوي يكون شُجاعًا مِقْدامًا لأنه متوكِّلٌ على الله - عز وجل - ومعتمِدٌ عليه في كلِّ أموره، ويعلمُ أن ما أصابَه لم يكن ليخطِئَه، وما أخطأه لم يكون ليصيبَه. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أشجعَ الناس، ومن الأمثلةِ التي حَدَثَتْ وتدلُّ على شجاعتِه التامة عليه الصلاة والسلام؛ أن أهلَ المدينةِ سمعوا هَيْعَةً أو فزعةً في ليلةٍ من الليالي فقَبْلَ أن ينتبِهَ الناسُ ويبدأوا في الاستعدادِ والخروجِ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ذهب ونظر الأمرَ ورجعَ لهم وطَمْأَنَهُم، وسوف يأتي هذا الحديثُ مرةً أخرى بطوله. فلما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وَجَدَ فرسًا عُريًا ـ لا سرجَ عليه ـ فركبه من دون سَرْجٍ وذهب فنظر فوجدَ أنه لا خوفَ على أحدٍ، فرجع وطمأنهم ثم قال (إن وجدناه لبحرًا) يعني بذلك: أن الفرسَ فرسٌ قويٌّ سريعُ الجرْيِ، وبذلك يوصَفُ الفرسُ الذي يكون واسعَ الخطوة بأنه بَحْرٌ.
ثم ذكر حديثَ جُبيرِ بنِ مُطعم وفيه أنه كان يسيرُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان الناسُ معه عندما قَفَلَ من حنين، يعني: رجع من غزوةِ حنين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد مَنَّ الله عليه بالغنائِمِ، فعلِقَ به الناس