فهرس الكتاب
أسوتُهم في ذلك. فكان هذا البابُ تكميلًا للبابِ السابقِ، لأنه قد يُبتَلى الشخصُ بشيءٍ من الجبنِ فيُعتَبَرُ ذلك من المرضِ أو من المصيبةِ أو من البلاءِ الذي عليه أن يعالِجَه، فكيف تكون طريقةُ العلاجِ؟
هذا البابُ يصفُ ذلك، وهو اللجوءُ إلى الله - عز وجل - الذي قَسَّمَ الأخلاقَ كما يُقسِّمُ الأرزاقَ، فكان التعوذُ من هذا الداءِ هو الطريقُ للتخلصِ منه. ثم ذكر فيه أن سعدَ بنَ أبي وقاص - رضي الله عنه - حسبَ ما ذَكَرَ ذلك عنه عمروُ بنُ ميمونٍ الأوديُّ رحمه الله، أن سعدًا كان يُعلِمُ بنيهِ هذه الكلماتِ ويحرصُ على تعليمهم إياها. وهذا أيضًا يجعلُنا نحرصُ على ذلك تأَسِّيًا بهذا الصحابيِّ الجليلِ خالِ النبي - صلى الله عليه وسلم - مستجابِ الدعوةِ، فكان يعلم بنيه هذه الكلماتِ كما يعلم المعلمُ الصبيانَ في الكُتّابِ، يعني: يكرِّرُ ذلك عليهم تكريرًا كثيرًا حتى يحفَظوا ذلك منه ويحرِصوا على ذكره. وهذه الكلماتُ كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ منهن دُبُرَ الصلاة. و (دبرُ الصلاة) تُطلَقُ على ما يكون قبلَ التسليمِ، وتطلقُ على ما يكون بعدَ التسليمِ. فإن دبرَ الشيءِ يكون قِسمًا منه ودبر الشيءِ يكون ما يتبعه وما يعقبه. وهنا الذي يظهرُ أنها من الدعواتِ التي كان - صلى الله عليه وسلم - يدعو بها قبلَ التسليم، فإنه قد حثَّ على ذلك وقال للصحابةِ إن ذلك الموضعَ يتخيَّرُ فيه المسلمُ أحبَّ وأقربَّ ما يدعو به إلى نفسه فقال:"فليتخيرْ من الدعاءِ أعجبَه إليه".
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجبن) فكان يستعيذُ من هذا الداءِ، وهذا هو الشاهدُ في البابِ، وكذلك كان يعطِفُ عليه الاستعاذةَ من أمورٍ أخرى مذمومةٍ، فيقول: (وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ) ، والمرءُ إذا رُدَّ إلى أرذلِ العمر كما ذكر الله - عز وجل - يُصبح لا يَعلَمُ من بعد علمٍ شيئًا. والمقصودُ بأرذل العمر إذا كبر الشخصُ وضاع عقلُه وخَرِفَ فهذا الذي يُستعاذ منه، وأما من طالَ عُمُرُه وحسُنَ عملُه فهذا من خيرِ الناس كما جاء في الحديث. ثم يقول: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) لأن الدنيا حلوةٌ خَضِرَةٌ كما ذكر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وفتنتُها عظيمةٌ، فكان يستعيذُ من فتنة الدنيا. ويستعيذُ أيضًا من عذابِ القبرِ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الأمةَ تبتُلى في قبورِها"، فكان يُكثِرُ من الاستعاذةِ من عذابِ القبر. وعذابُ القبرِ واقعٌ حقيقةً وهذا اعتقادُ أهلِ السنةِ والجماعة، ومن خالفَ في ذلك فهو من المبتدعةِ مخالفٌ لعقيدةِ أهلِ السنةِ والجماعة.
ثم يقول (فحدثت به مصعبًا فصدقه) ، يعني: مصعبُ بنُ سعدٍ صدَّقَ عمروَ بنَ ميمون الأودي فيما ذكر أن سعدًا كان يحرصُ على تعليمِ بنيه ذلك.
ومصعبٌ من أولادِ سعدٍ - رضي الله عنه -، وقد رَزَقَ اللهُ سعدًا عددًا كبيرًا من الأولادِ والبنات، وهذا من تطبيقِه للسنةِ وحِرْصِهِ على أن يَكْثُرَ نسلُه كما حثَّ على ذلك النبيُّ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يباهي بأمته ويكاثرُ الأممَ يوم القيامة بكثرة أمته. فذُكر أن سعدًا كان له من أبنائه الذكورِ أربعةَ عشر ولدًا،