فهرس الكتاب
فالأصلُ في هذا الخطابِ أن يكونَ متوجِّهًا للذكورِ الذينَ في عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثم بعد ذلك يُنظَر، هل هذا الخطابُ يشمَلُ من جاء بعدَهم من العُصورِ التاليةِ، وهل يشملُ النساءَ، وهل يشملُ العبيدَ أم لا؟
هذه مسائلُ تتعلقُ بأصلِ الخطابِ.
وقوله تعالى ... هذا أمرٌ خوطِبَ به أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذكورُ، فالأصلُ أنه شاملٌ لهم جميعًا، يخرجُ من ذلك العبيدُ بنصوصٍ أخرى؛ لأن العبدَ تحتَ إِمْرَةِ سيِّدِهِ ومنفعتُه له فلا يجبُ القتالُ على العبدِ، والمرأةُ لا تدخلُ بالخطابِ لأن الخطابَ كما قُلنا يخاطِبُ الذكورَ فقط.
ثم هذا الخطابُ يشمَلُ مَنْ بعدَ أصحابِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين نزلَ القرآنُ يخاطبُهم باعتبارِ قولِ الله - عز وجل - ... إلى غيرِ ذلك من الأدلَّة التي تُدَللُ على شمولِ الخطابِ للأممِ التاليةِ لأمَّةِ الصحابةِ رضي الله تعالى عنهم.
ثم هذا الخطابُ جاء بصيغةِ الأمرِ. وصيغةُ الأمرِ أصلًا تقتضي الوجوبَ إلا إذا جاءَ ما يُدَلِّلُ على صرفِ هذا اللفظِ عن أصلِه إلى النَّدْبِ أو الاستحباب.
إذًا، الأصلُ في هذه الآيةِ بمجردِ قوله تعالى ... فَرْضِيَّةُ العينِ على كلِّ مسلمٍ ذَكَرٍ ثم جاء قوله تعالى ... ليؤَكِّدَ ذلك. فالمرادُ أن الجميعَ يَنْفِرُ في سبيلِ الله سواءٌ كان خفيفًا أو ثقيلًا. والمرادُ بالخفةِ والثِّقَلِ هنا: القدرةُ التامةُ وعدَمُ الارتباطِ بالمشاغِلِ ونحوِ ذلك، ويدخلُ فيه بعضُ أنواعِ المرضِ والشيخوخةِ والكِبَرِ ونحوِ هذا.
ولأجلِ ذلك كان بعضُ الصحابة رضي الله عنهم يخرجُ وهو مُسِنٌّ فيعاتَبُ في ذلك فيقول: هذه الآيةُ ما عذرتْ أحدًا.
ثم الأمرُ هنا في قوله ... هو كقولِه سبحانه وتعالى ... وكقوله ... وكقولِه ... ونحوِ ذلك من الأوامِرِ.
إذاَ، الأصلُ في الأمرِ بالنَّفيرِ إنما هو فرْضيَّةُ العينِ ليس في ذلك إشكالٌ من الناحيةِ الأصولِيَّةِ، وإنما الخلافُ حَدَثَ بعد ذلك عن أهلِ العلمِ لنصوصٍ أخرى دلَّلَتْ أنه لا يمكنُ أن ينفِرَ كلُّ المسلمين، كقولِه سبحانه وتعالى: ... فهذه الآيةُ تُدَللُ على أنه لا يمكن أن يخرجَ كلُّ المسلمينَ إلى الجهادِ في سبيلِ الله. إذًا، ما هو التوجيه؟
التوجيهُ: أن الجهادَ فرضٌ على كلِّ مسلمٍ عاقلٍ ذكرٍ حرٍ، ولكنْ لا يكونُ ذلك في نفسِ الوقتِ، فلا يخرجُ كلُّ المسلمين إلى القتالِ، وإنما يحصلُ بينهم أداءُ هذا الفرضِ بالتناوبِ. فقد كان الأمراءُ والخلفاءُ يُخرِجُونَ المجاهدين في سبيلِ الله بالتناوبِ، لا يُعرَفُ أن المسلمَ يجلسُ في بيتِه ولا يقاتِلُ في سبيل الله. فلا يمكن أن يعيشَ المسلمُ حياتَه كلَّها ولا يجبُ عليه أن يقاتلَ في سبيلِ الله لأنه ليس هناك جيشٌ نظامي يقاتِلُ. هذا لم يكنْ في عهدِ القرونِ المُفَضَّلَةِ، وإنما كما قلتُ كان يسجَّلُ ديوانُ الجُنْدِ فيخرج بعضُ الناس