فهرس الكتاب
ثم هناك الآيةُ الأخرى التي ذكرها الله تعالى وفيها العتابُ للمؤمنين، فيقول ... وهذا من الأدلةِ على فرْضيةِ العينِ التي ذكرتُها. وهذا القولُ الذي بينتُه يجمعُ بين النصوصِ جميعِها وهو الذي ذهبَ إليه أهلُ العلمِ على التحقيقِ وإن كان حصلَ خلافٌ بينهم؛ هل الجهادُ كان فرضَ عينٍ على المهاجرينَ أم على الأنصارِ أم عليهما جميعًا. والقولُ الفصلُ هو ما ذكرتُه من أنه فرضُ عينٍ، بمعنى: تعاقُبَ المسلمين على أدائِه، ثم إذا قام به البعضُ سقط عن الباقين.
يقول البخاري هنا (يُذْكَر عن ابن عباس: انفروا ثباتٍ: سرايا متفرقين) ، وهذا التفسيرُ من ابن عباسٍ رضي الله عنهما لقوله تعالى ... ثباتٍ أي: سرايا متفرقين، والثباتُ جمعُ ثُبَةٍ أي: مجموعة.
فكانت النفرةُ أحيانًا تكون على هيئةِ سرايا كما كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ مع أصحابه، وأحيانًا يكون النفيرُ للجميعِ كما كان في غزوةِ تبوك، حيث أمرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالنفيرِ العامِ، وكان من تخلفَ آثمًا بتخلُّفِهِ.
ثم ذكر هنا حديثَ ابنِ عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يومَ الفتح:"لا هجرةَ بعدَ الفتحِ ولكن جهادٌ ونيةٌ وإذا استُنْفِرْتم فانفِِروا".
فهذا الحديثُ تكلمنا عنه قبلَ ذلك. والمراد بـ (لا هجرةَ بعد الفتح) أي: لا هجرةَ من مكةَ إلى المدينةِ فقد انقطعتِ الهجرةُ من مكةَ لأنها أصبحتْ دارَ إسلامٍ، ولا هجرةَ من دارِ الإسلام إلى دار الإسلام واجبةٌ، وإنما الهجرةُ تجبُ من دار الكفرِ إلى دارِ الإسلامِ. (ولكن جهادٌ ونيةٌ) أي: ولكن بقي الجهادُ والنيةُ الصالحةُ في الجهاد وغيره.
والشاهدُ في هذا الحديثِ قوله (واذا استنفرتم فانفروا) ، وهذا نوعٌ من أنواعِ الجهادِ الذي هو فرضٌ على الأعيانِ، وهو حالُ استنفارِ الإمامِ للمسلمين."واذا استنفرتم فانفروا"؛ أي: في حالِ النفيرِ العامِ يجب على من كلِّ من استنَفْرَهَ الإمامُ. والله تعالى أعلم.
ثم أهلُ العلمِ يقولون بأن الجهادَ الذي هو جهادُ الطلبِ لا بدَّ من فعلِه ولا يسقُطُ عن المسلمين بهذه الصورةِ المفجِعة التي حصلتِ في الأزمان المتأخرة، فإنهم يقولون إنه يَجِبَ مرتينِ في السنةِ كما قلت (الصوائف والشواتي) باعتبارِ فعلِ السلف، ومنهم من قال: تجزئ مرة واحدة في السنة لأنه يعتبر بدلًا عن الجزية، ومنهم من قال: يجب كلما دعتِ الحاجةُ.
والمقصودُ أنه لا بدَّ من جهادِ الطلبِ حتى لا يبقى على وجهِ الأرض ِإلا مسلمٌ أو مسالمٌ، وهذا لا شكَّ أنه واجبٌ على ولاةِ الأمرِ، فإنه لا يمكنُ أن يُؤَدّى جهادُ الطلبِ باجتهادٍ فرديٍّ من المسلمِ وإنما هذه مسؤوليةُ ولاةِ الأمرِ يُسِأَلون عنها أمامَ الله - عز وجل - يومَ القيامة. فلا بدَّ من إخراجِ السرايا والبعوثِ للجهادِ في سبيلِ الله ورفعِ رايةِ لا إله إلا الله. وقد تكلمْنا بذلك وقلنا إنه لا اعتبارَ لهذه المواثيقِ التي تتواثقُ عليها الدُّوَلُ والتي تُخالِفُ هذا الأصلَ العظيمَ من أصولِ الدين؛ فإنه لا يُعرَفُ في الإسلامِ استحقاقٌ لكافٍر على أرضه، وإنما يجب عليهم جميعًا أن يَدْخُلُوا في دينِ الله - عز وجل - أو يكونوا على دينِهم معاهِدِين صاغِرين.