فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 160

وتركُنا للجهادِ هو الذي أدى بنا إلى هذا الذلِّ الذي نعيشُه هذه الأيام، وهذا مصداقُ حديثِ النبي عندما حذَّرَ من ذلك فقال:"إذا رضِيتُمْ بالزرعِ وتركتُمُ الجهادَ وتبايَعْتُمْ بالعِينَةِ سلَّطَ الله عليكم ذُلًا"، فهذا هو الذي نعيشُه الآن لأننا تركنا الجهادَ. وهذا كما قلتُ في جهادِ الطلبِ فكيف ونحن نعيشُ الآن جهادَ الدفعِ، الذي أصبحَ الأمرُ فيه من أغلظَ الأمورِ وأصبحتِ الحال يرثى لها في بلاد الإسلام، وأصبحَ الناسُ يتداولون ويتناقشون وبلادُ الإسلامِ تُنْتَهَكُ وتُنتَهَبُ. هذه مكتبةُ بغدادَ الوطنيةُ التي تَعُجُّ بأَنْفَسِ المخطوطاتِ وأفضلِ الكتبِ الإسلاميةِ التي كنا نتمنى أن نراها بأعيُنِنا ويتجشمُ المسلمُ الصعابَ حتى يتحصَّلَ على مخطوطةٍ منها أو صورةٍ منها، أصبحتْ نَهْبًا وسَلْبًا وحُرِّقَتْ كما حصلَ في أيامٍ هولاكو والعياذُ بالله، ونسألُ الله - عز وجل - أن يغفرَ لنا تقصيرَنا وقعودَنا وما نحن فيه من الضعفِ والخور، والله المستعان.

وقولُ الله في هذه الآية ... أصلها: تَثَاقَلْتُم. والمرادُ: الكسلُ والتهاونُ وعَبَّرَ بقوله ... مع أن كلمةَ تَثَاقَلَ لا يأتي بعدها كلمةُ إلى، ولكنها عندَ أهلِ اللغة تعني تضمينُ الفعلِ معنىً آخرَ يتعدى بإلى أي يأتي بعده إلى كالرُّكونِ والخلودِ، فالذين لم يخرجوا في سبيل الله إنما أخلدوا إلى الراحةِ وإلى الدعةِ والكسلِ فلذلك عبَّر عنهم بالتثاقلِ إلى الأرض.

والتعبيرُ بالأرضِ هنا دلالةٌ على انحطاطِ المُستوى وقلةِ الطُّموحِ عندهم.

ثم يعاتبُهم الله موبِّخًا فيقول ... ؛ من هنا تعني (بدل) فإنها بهذا المعنى كما في قوله تعالى ... فـ (من) هنا معناها: بدلًا منكم أو بدلًا عنكم. وكذلك قوله ... أي: أرضيتم بمتاعِ الحياة الدنيا بدلًا عن الأجرِ في الآخرةِ وما أعدَّ الله - عز وجل - فيها.

وهذه الآيةُ آيةٌ خطيرةٌ جدًا؛ ففيها أن هذا كأنه بدلٌ؛ إما أن تجاهدَ في سبيلِ الله وإما أن ترضى بالحياةِ الدنيا وما فيها من الدَّعَةِ والكسلِ، فالأمرُ بينَ حالَيْنِ: آخرةٌ بالجهادِ في سبيلِ الله، ودنيا بتركِ الجهادِ في سبيلِ الله، ولذلك قال تعالى: ... يعني: لا يسوي شيئًا. وقد ذكرنا أنه يؤتَى بأنعمِ أهلِ الدنيا وهو من أهلِ النار فيُغمَسُ غمسةً في النار ويقال له: (هل رأيت نعيمًا؟) فيقول: لا والله ما رأيتُ نعيمًا قط، كما ثبت ذلك عن رسول الله، والله تعالى أعلم.

قال البخاري رحمه الله:

باب الكافرُ يقتُلُ المسلمَ ثم يُسلمُ فيُسَدَّدُ بعدُ ويُقتَلُ.

43 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي الزنادِ، عن الأعرجِ، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"يضحكُ الله إلى رجلينِ يقتلُ أحدُهما الآخرَ يدخلانِ الجنةَ، يقاتِلُ هذا في سبيلِ الله فيُقتلُ، ثم يتوبُ الله على القاتلِ فيُستَشْهَدُ".

ـ حدثنا الحميديُّ، حدثنا سفيانُ، حدثنا الزهريُّ قال: أخبرني عنبسةُ بنُ سعيدٍ عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قال:"أتيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بخيبرَ بعدما افتَتَحوها فقلت: يا رسولَ الله أسهِمْ لي، فقال بعضُ بني"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت