فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 160

44 ـ حدثنا آدمُ، حدثنا شعبةُ، حدثنا ثابتُ البناني قال: سمعت أنسَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - قال:"كان أبو طلحةَ لا يصومُ على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من أجلِ الغَزْوِ، فلما قُبِضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم أرَهُ مُفطرًا إلا في يومِ فِطْرٍ أو أضحى".

هذا البابُ يبينُ فيه الإمامُ البخاري رحمه الله أن هناك من الصحابةِ من فَضَّلَ الغزوَ على الصومِ مع أن الصومَ كما تعلمون يقول الله سبحانه وتعالى فيه في الحديث القدسي:"إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به"، فأجرُ الصومِ أجرٌ عظيمٌ، ومعلومٌ أن في الجنةِ بابًا يقال له الرَّيَّان لا يدخلُ منه إلا الصائمون. ولا نريد هنا أن نطيلَ بذكرِ فضائلِ الصوم، ولكن الجهادَ فَضَّلَه هذا الصحابيُّ الجليلُ وهو أبو طلحةَ على الصوم مع الأجرِ العظيمِ المعروف للصومِ لأن الجهادَ أعلى منزلةً من الصيامِ، فذكر هنا أن أبا طلحةَ - رضي الله عنه - كان لا يصومُ على عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجلِ الغزوِ، ويعني بقوله (لا يصوم) أنه لا يُكْثِرُ الصومَ وليس المرادُ أنه لا يصومُ إطلاقًا وإنما يصومُ صيامًا يسيرًا لا يُكْثِرُ منه ليتقَوّى على الجهادِ في سبيلِ الله لأن الصومَ يُضعِفُ المجاهدَ.

والصائمُ الذي يصومُ في الجهادِ إذا كان يقدرُ على الجمعِ بين الصومِ والجهادِ، فإنه إذا صامَ يومًا واحدًا باعَدَ الله بينه وبين النار سبعينَ خريفًا كما ثبتَ في هذا الحديث. فأجرُ الصومِ في سبيلِ الله أجرٌ عظيمٌ أيضًا، والمقصودُ أنه كان لا يُكثِرُ الصومَ كما كان يُكثِرُه بعدَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لأنه كَبُرَ في السنِّ فلم يكن يخرجُ للغزوِ كما كان يخرجُ في عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا. وقد دلَّتْ بعضُ الرواياتِ على ما ذكرت، ففي بعضِها أنه (لا يكادُ يصومُ ـ قلَّما يصومُ) دلالةٌ على أنه كان يصومُ ولكن ليس صيامًا كثيرًا. فلما مات النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - اجتهدَ في الصومِ تعويضًا لقلةِ الغزوِ الذي كان يخرجُ فيه، فكان لا يُرى مفطِرًا إلا في الأيام التي حرَّمَ الله فيها الصيامَ مثلَ أيامِ عيدِ الفطر وعيد الأضحى، ويدخل في الأضحى أيامُ التشريق الثلاثة.

وليس هذا على إطلاقِه؛ فقد ثبت أن أبا طلحةَ - رضي الله عنه - لم يصبِرْ على تركِ الغزوِ في سبيلِ الله - عز وجل - على الرُّغْمِ من كِبَرِ سِنِّهِ، فإنه قد جاءَ في آخرِ عمره أنه خرج إلى القتالِ فقال لبنيه (جهزوني) فقال بنوه (نحن نغزو عنك) فأبى وقال: إن هذه الآيةَ لم تعذُرْ أحدًا، استَنْفَرَنا الله شيوخًا وشبابًا وقرأ ... فغزا في البحرِ فماتَ فدفنوه بعد سبعةِ أيامٍ ولم يتغيرْ منه شيءٌ كرامةً له لأنه من الشهداءِ، وقد ثبتَ أن كثيرًا من الشهداءِ لا يتغيرُ جسدُهم بطولِ المدة وهذه من الكراماتِ التي لم يجعَلْها الله - عز وجل - إلا للأنبياءِ وبعضِ الشهداءِ كما دل على ذلك الواقعُ، وإن كان النصُّ قد وردَ في الأنبياء فقط، وهذا دليلٌ على عِظَمِ منزلةِ الشهيدِ عند الله سبحانه وتعالى. والله تعالى أعلم.

ويُحتَمَلُ أن أبا طلحةَ - رضي الله عنه - بعد أن تَمَّتِ الفتوحُ واستتبَّ الأمرُ للمسلمينَ وقلَّ الخروجُ للغزوِ اجتهدَ في الصومِ لتعويضِ الأجر الذي فاتَه في الجهاد، لأن الذي يظهرُ من احتجاجِه بهذه الآيةِ أنه كان لا يرى لنفسه عذرًا أن يتخلفَ عن غزوٍ يخرُج في سبيل الله. وكما قلتُ كان الأمرُ في الصدرِ الأوَّلِ على التناوبِ؛ فلم يكن يخرُجْ كلُّ المسلمين في نفس الوقت وإنما يخرجونَ على دفعاتٍ كما يأمر إمام المسلمينَ بذلك في هذا العهد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت