فهرس الكتاب
بنُ سعيد بن العاص. فأبانُ كان جالسًا في هذا الوقت الذي يطلب فيه أبو هريرةَ أن يُسهِمَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - من غنائمِ خيبرَ، فقال أبانُ ين سعيدٍ: يا رسولَ الله لا تُسْهِمْ له. يعني: رأى أبانُ أنه لا يستحقُّ أن يُسهَمَ له لأنه لم يحضُرِ الوقعةَ، فقال أبو هريرةَ وكان يعلمُ ما حصلَ من أبانِ بنِ سعيدٍ، وكان أبانُ قد قَتَلَ يومَ أُحُدٍ رجلًا من الصحابةِ اسمُه النعمانُ بنُ قَوْقَل، فعندما قال ذلك اغتاظَ أبو هريرةَ منه وقال (هذا قاتل ابن قوقل) ؛ يعني: أنت فعلتَ هذه الفعلةَ الشنعاءَ وقتلتَ رجلًا يقاتلُ في سبيلِ الله ثم تتكلمُ في حضرةِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبانُ بنُ سعيدٍ مستَقِلًا بأبي هريرةَ لأنه جاء من قبيلةِ دَوْسٍ (واعجبًا لوبر تدلى علينا من قَدوم ضأن) والوَبَرُ: دابةٌ تُشبِهُ الفأرَ والأرنبَ؛ فيها شبه من الأرنب في بعض الأجزاءِ وفيها شبهٌ من الفأر في بعض الأجزاء، وهو حيوانٌ يُؤْكَلُ مثلُ الأرنبِ يعيشُ في الجبالِ، وحجمُه أصغرُ من حجم الأرنبِ وأكبر من حجمِ الفأر في العادة.
فشبَّهَهُ بالوبَرِ الذي تدلّى من جبلٍ، بمعنى: أنه لا قيمةَ له ولا مجالَ له أن يتدخلَ، وهو قد قَدِمَ عليهم مؤخَّرًا من هذه البوادي التي في دوسٍ، فيقول (واعجبًا لوبرٍ تدلى علينا من قَدومٍ ضأن) والضأنُ؛ يقالُ هو الجبلُ ويقال اسمُ جبلٍ في قبيلةِ دوس، والمقصودُ أنه استَخَفَّ به وشبَّهَه بهذه الدُّوَيبَة الصغيرةِ.
وكما تعلمون أنه يُؤْثَرُ عن مسيلمةَ الكذابِ أنه أرادَ أن يعارِضَ سورةَ العصرِ فكان يقول (يا وَبَرُ يا وبر كلكَ أذنانِ وصدرٌ وسائرُك حَقْرُ نَقٌرٌ) يعني بذلك هذهَ الدابةَ.
ثم قال له أبانُ بنُ سعيدٍ (ينعى علي قتلَ رجلٍ مسلمٍ أكرمه الله على يديَّ ولم يُهِنّي على يديه) يقول له: إن الله - عز وجل - أكرمَ النعمانَ بنَ قوقلٍ على يدي، حيث كنتُ سببًا في أنه نالَ الشهادةَ، ولم يهني على يديه، يعني: لم يَكْتُبِ اللهُ - عز وجل - لي أنا أن أُقتَلَ بيدِه فكنتُ أدخلُ النارَ وأيُّ هوانٍ بعد دخولِ النارِ؟ فسمِع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلامَ من أبانَ ولم ينكِرْ عليه، وهذا إقرارٌ منه - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا أن السَّنة إما أن تكونَ قوليةً وإما أن تكون فعليةً وإما أن تكون إقراريةً، فهذا إقرارٌ منه - صلى الله عليه وسلم - لكلامِ أبانٍ أنه قد أَكرمَ الله - عز وجل - النعمانَ بقتلِه على يدٍِ أبانَ، ثم أكرمَ اللهُ - عز وجل - أبانَ أن نزَّهَهُ أن يُقتَلَ على يدِ أبان حتى يَكتُبَ الله له الإسلامَ فيتوبَ عليه من هذا القتلِ الذي فعله.
ثم قال (فلا أدري أسْهَمَ له أم لم يسهم له) ؛ وقد جاء في بعض الرواياتِ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُسْهِمْ له، واستُدِلَّ بذلك على أن من أتى بعدَ الوَقْعَةِ فإنه لا يُسْهَمُ له، والله تعالى أعلم.
قال البخاريُّ (قال سفيانُ: وحدثنيه السعيدي عن جده عن أبي هريرة) ؛ هذا عطفٌ على الإسنادِ السابق؛ ذكر فيه سفيانُ إسنادًا آخرَ.
ثم قال (قال أبو عبد الله: السعيديُّ هو عمرو بنُ يحيى بنِ سعيد بنِ عمرو بنِ سعيد بنِ العاص) ؛ هذا قول أبو عبد الله، يعني: البخاريًّ رحمه الله، يبين من هو السعيدي.
قال البخاري رحمه الله:
باب من اختارَ الغزوَ على الصومِ.