فهرس الكتاب
هذا هو وجهُ إدراجٍ هؤلاء مع الشهيدِ، وهذه كرامةٌ من الله - عز وجل - لأمَّةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن جعلَ منزلةَ الشهيدِ التي هي أعلى الدرجاتِ يمكن أن يلحَقَ بها بعضُ من ابتُلي من هذه الأمةِ فضلًا من الله ونعمةً وكرامةً.
وذكر من هؤلاء الذين يلحقونَ بدرجةِ الشهيدِ (المطعونُ والمبطونُ والغرِقُ وصاحبُ الهدم) وسوف نتكلم عنهم إن شاء الله.
قوله (المطعون) ؛ وهو المصابُ بداءِ الطاعونِ، وهو داءٌ عُضالٌ غالبًا ما يؤدي للموتِ مباشرةً ونادرًا ما يَسْلَمُ منه من أصيبَ به. وتعلمون وباءَ الطاعون الذي وقع بالشامِ وهو طاعونُ عمواسٍ وقد مات فيه أمةٌ من الناس في عهدِ الصحابة رضي الله عنهم، وبعضُ الصحابة كان يدعو الله - عز وجل - أن يرزقَه من هذا الطاعونِ فأصيبَ هو وأهلُه به لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - خصَّ الطاعونَ بأحكامٍ كثيرةٍ، ولذلك صنَّفَ فيه الإمامُ ابنُ حَجَرَ كتابًا سماه [بذلُ الماعونِ في فضلِ الطاعونِ] ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - دعا لأمَّتِه أن يكون موتُهم بالطعنِ والطاعونِ فقال:"اللهم اجعلْ فناءَ أمتي بالطعنِ والطاعونِ"يعني: إما قتلًا في سبيلِ الله، وإما موتًا بمرض الطاعونِ، وذلك لأنَّ الطاعونَ شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ. وثبت في الحديثِ أنه"وَخْزٌ إخوانُكُم من الجِنِّ"، هكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكما أن الطعنَ في القتالِ هو وخزُ أعدائِنا من الأنسِ فكذلك الطاعونُ هو وخزُ أعدائنا من الجن.
والطاعونُ غُدَّةٌ تخرجُ في الأماكنِ الرقيقةِ من الجسم؛ إما في باطنِ اليدِ وإما في الإبْطِ، وهذه هي الغدةُ التي تَتَسَبّبُ بموتِ الشخصِ الذي يُصابُ بهذا المرضِ الخبيثِ.
ثم (المبطون) ؛ وهو صاحبُ المرضِ الذي يكونُ في البطنِ ويقتُلُه بطنُه، وهذا هو المبطونُ. ويدخلُ في ذلك أمراضٌ كثيرةٌ.
وأما (الغَرِقُ) وهو النوعُ الثالثُ؛ هو الذي يموتُ غَرَقًا.
و (صاحب الهدم) ؛ هو الذي يُهدَمُ عليه بناءٌ ونحوُه، فهذا يسمى صاحبَ الهدم. فكذلك يعتبرُ هذا النوعُ من الشهداء.
ثم ذكر بعدَ ذلك في هذا الحديثِ (والشهيدُ في سبيل الله) .
ثم إن هذا الحديثَ قد جاءَ في بعضِ طرقِ الحديثِ فزِيد فيه بعضُ من لم يذكرْ هنا، وإنما ذُكِرَ في حديث جابرِ بنِ عتيكٍ الذي ذكرناه، ومن هؤلاء:
(المجنوب) ؛ وهو صاحبُ ذاتِ الجَنْب، وذاتُ الجنبِ داءٌ معروفٌ عند العربِ يسمى ... (الشوصة) والذي يموتُ بهذا الداءِ يعتَبَرُ أيضًا من الشهداء.