فهرس الكتاب
وأراد بالترجمةِ حديثَ جابرِ بنِ عتيكٍ وفيه:"الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله"، فذكر فيه ثلاثةً لم يُذكَروا في حديث أبي هريرةَ الذي أخرجه البخاريُّ في الباب، وسنتكلمُ عن هؤلاء الثلاثةِ أثناءَ الشرحِ إن شاء الله.
فحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فيه:
(الشهداء خمسةٌ) ؛ كلمة (الشهداءُ) حصلَ فيها بيانٌ على أوجهٍ عدةٍ عند أهلِ العلمِ، فمنهم من قال: الشهداء سُمُّوا شهداءَ لأن الله وملائكتَه يشهدون لهم بالجنة. وقيل: لأنه يشاهِدُ عند خروجِ روحِه ما أعدَّ الله له من الكرامة. وقيل: لأنه يُشهَدُ له بالأمان من النارِ. وقيل: لأنه يوجَدُ عليه شاهدٌ بأنه شهيدٌ كعلامةِ القتلِ ونحوها. وقيل: لأنه لا يشهَدُهُ عند الموتِ إلا ملائكةُ الرحمة. وقيل: لأنه هو الذي يشهدُ للرسلِ يوم القيامةِ بأنهم أبلغوا رسالاتِ ربهم. وقيل: لأن الملائكةَ تشهدُ له بحسنِ الخاتِمَةِ. وقيل غيرُ ذلك عدةُ أقوالٍ ومن الأقوالِ الظاهرةِ في معنى الشهيدِ وهي تختص بالذي يُقتَلُ في سبيلِ الله لأنها لم تَرِدْ في غيرِه أنه يشاهدُ الملائكةَ عند احتضارِه أو يشاهدُ الحورَ العينَ عند خروجِ الدمِ منه عند موتِه. وقد ذكرنا إظلالَ الملائكةِ له في الأبوابِ السابقةِ وكذا ابتدارَ الحورِ العينِ له.
وعلى كل حال؛ الصحيحُ أن الشهداءَ قسمان: شهيدُ الدنيا وشهيدُ الآخرة.
فشهيدُ الدنيا هو الذي يُقتَلُ في سبيلِ الله ويراقُ دمُه، هذا هو شهيدُ الدنيا.
وأما شهيدُ الآخرةِ فكلُّ هذه الأصنافِ وأيضًا غيرها.
وشهيدُ الدنيا له أحكامٌ لا تَنْسَحِبُ على جميعِ هذه الأنواعِ؛ فالشهيدُ لا يغسَّلُ ولا يُكفَّنُ وإنما يُدفَنُ في ثوبِه الذي قُتِلَ فيه، ولا يغسَلُ عنه جرحُه وإنما يُبعَثُ يومَ القيامةِ بهذا الدم؛ اللونُ لونُ الدمِ كما ذكرنا والريحُ ريحُ المسكِ، ولا يصلّى على الشهيد. فهذا ما يتعلقُ بأحكام شهيدِ الدنيا.
وأما هذه الأنواعُ التي ذُكِرَتْ أنها من الشهداءِ فلا تنسحبُ عليها مثلُ هذه الأحكامِ وإنما تُغَسَّلُ وتكفَّنُ ويُصلّى عليها، ولكنها تجتمعُ مع شهيدِ الدنيا في الآخرةِ ولذلك يُطلَقُ عليها أنها من شهداءِ الآخرة.
فهل يُحشَرُ الجميعِ معًا، أو كما جاء في بعضِ الألفاظِ أنه يقالُ للمَطْعونِ: (انظروا هل جراحُه تُشبِهُ جراحَ الشهيدِ في سبيلِ الله، فيُنظَرُ فإذا هي تشبُه جراحَ الشهيدِ في سبيلِ الله فيُبْعَثون معًا) ، أو أن الأجرَ والمراتبَ التي تكون للشهيدِ الذي يُقتَلُ في سبيلِ الله يَصِلُها هؤلاءِ ويشتركون مع الشهداءِ الذين يُقتَلُون في سبيلِ الله في المراتبِ العاليةِ في الجنةِ التي ذكرنا أنها تَصِلُ إلى مائةِ درجةٍ أُعِدَّتْ للشهداءِ في سبيلِ الله.