فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 160

48 ـ حدثنا عبدُ العزيز بنُ عبد الله، حدثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ الزهري، قال: حدثني صالحُ بنُ كَيْسانَ، عن ابنِ شهاب، عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ أنه قال:"رأيتُ مروانَ بنَ الحكمِ جالسًا في المسجد فأقبلتُ حتى جلستُ إلى جنبِه، فأخبرنا أن زيدَ بنَ ثابتٍ أخبره أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أملى علي"... قال: فجاءه ابنُ أمِّ مكتومٍ وهو يُمِلُّها عليَّ فقال: يا رسولَ الله لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدتُ ـ وكان رجلًا أعمى ـ فأنزلَ اللهُ تباركَ وتعالى على رسولِه - صلى الله عليه وسلم - وفخذُه على فخِذِي، فثَقُلَتْ عليَّ حتى خِفْتُ أن تُرَضَّ فخذي. ثم سُرِّيَ عنه، فأنزل الله - عز وجل: ... .

الشاهدُ في هذا الحديثِ أن الله سبحانه وتعالى استثنى من لا يستطيعُ الذهابَ إلى القتالِ لعَجْزِهِ من الحرمانِ من الأجرِ؛ فإن الله - عز وجل - عندما يقول ... كما نزلَتْ في بادئِ الأمرِ يُفهَم من ذلك أن القاعدَ سواءٌ كان قاعدًا بعذرٍ أم بغيرِ عذرٍ فلا يستوي أبدًا مع المجاهدِ في سبيلِ الله، وهذا هو الذي أشكلَ على ابنِ أمِّ مكتوم.

وتعرفونَ أن ابنَ أم مكتوم الصحابيَّ الجليلَّ الذي عاتبَ اللهُ - عز وجل - فيه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عندما نزلت سورة ... أن هذا الصحابيَّ الجليلَ كان أعمى، فكيف يقومُ بالقتال؟ والقتالُ في ذلك الزمانِ كما هو معلومٌ يقوم على البصرِ أكثرَ ما يقومُ، فقال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديثِ الثاني عن سهلِ بنِ سعدٍ: (يا رسول الله لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدتُ) فهذا معناه: أن نيَّتَه لو استطاعَ تَمَكَّنَ من الجهادِ لجاهدَ، فالذي معه هو العُذْرُ. فأنزل الله - عز وجل - تطييبًا لخاطرِه وخاطرِ أمثالِه من المؤمنين الذين صدقوا من داخِل أنفسهم في الرغبةِ في الجهادِ في سبيل الله وتمنَّوا لو أن لهم القدرةَ ليجاهدوا ويبذلوا أنفسَهم في سبيلِ الله - عز وجل -، فأنزل الله - عز وجل - هذا الاستثناءَ ... يعني: الذين لا يستَوُون مع المجاهدينَ إنما هم غيرُ أولي الضررِ، وأما أصحابُ الضررِ فإنهم يستَوُون مع المجاهدين إذا صدقوا في النيةِ، وسوف يأتي بابٌ خاصٌّ بذلك إن شاء الله تعالى.

ثم بيَّنَ الله - عز وجل - أنه فَضَّلَ المجاهدينَ على القاعدينَ أجرًا عظيمًا ودرجاتٍ، وقوله هنا ... يعني: منزلةً، والمنزلةُ يندرجُ تحتَها مراتبُ الشهداء التي جاءت في الحديثِ أن للشهداءِ مائةَ درجةٍ في الجنة، فهذه الدرجةُ المذكورةُ هنا يندرجُ تحتَها الدرجاتُ كلُّها، ولذلك قال الله - عز وجل - ... ، وقال ... .

قد يتوهمُ البعضُ أن هذه الآيةَ من الأدلةِ على أن الجهادَ ليس من فروضِ الأعيان، أو أنه هناك مندوحةٌ لمن يُحِبُّ أن يجلسَ ولا يجاهدَ ومن يرغبُ في الجهادِ وأن ذلك بمحضِ الإرادة.

فالجواب؛ أولًا: هذه الآيةُ بطبيعةِ الحال في جهادِ الطلبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت