فهرس الكتاب
وثانيًا: أن هذه الآيةَ كونُها تدلل على أن المجاهدينَ أفضلُ من القاعدين فلا تعني إجازةَ القعودِ، وإنما تعني أنه في حالةِ القعودِ وخروجِ من خرج في سبيل الله فالخارجُ أعظمُ درجةً من القاعدِ وإن كان القاعدُ ينتظر أن يخرجَ في وقتٍ آخرَ، فلا تعني هذه الآيةُ أن القاعدَ سيقعُدُ طوالَ عمره لا يقاتل في سبيل الله، وإنما الأمرُ على ما ذكرناه في المحاضرةِ الفائتة أنه لا بد للمسلِمِ أن يجاهدَ، وليس شرطًا أن يجاهدَ في كل خروجٍ، ولكن الذي يحرصُ على الجهادِ والخروجِ في كل خروجٍ هو الذي ينالُ هذه الدرجاتٍ العاليةَ المذكورةَ.
ثم قوله هنا: (لما نزلت ... في حديث البراءِ - رضي الله عنه -) يقول: (دعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زيدًا) وكان زيدُ بنُ ثابت كاتبًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاه ليأتيَ بالكتف والدواةِ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - كلما نزل عليه شيءٌ من القرآن دعا أَحَدَ كُتّاِبه فأمره أن يكتُبَها ويُعْلِمُهم أن هذه الآيةَ في سورةِ كذا في موضع كذا. فدعا زيدًا فجاء زيدٌ بالكتِفِ، وهو اللوحُ الذي سيكتُبُ فيه فكتبها.
(وشكا ابنُ أم مكتوم ضرارتَه) ؛ الضرارةُ والزمانةُ ما يُشتكي منه من الضررِ والمرضِ وهو العمى بالنسبةِ لابنِ أمِّ مكتومٍ - رضي الله عنه -. (فنزلت هذه الآية) ؛ يعني: نزل القيدُ وهو ... لإزالةِ الإجمالِ الذي في الآية الموهمِ بأن الجميعَ لا يستوون، فاستثني أصحابَ الأعذارِ مثل ابن أم مكتوم وغيره من الصحابة.
وأما حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ الساعدي فهو أوضحُ في هذه القصة، وفيه أن ابنَ أم مكتومٍ أتى والنبي - صلى الله عليه وسلم - يُمْلِلُ الآيةَ على زيدٍ فقال: (يا رسول الله لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدتُ) يعني: أظهرَ عذرَه. (فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفخذه على فخذي) ؛ الواو هنا يسميها أهلُ العلمِ (الحاليةَ) يعني: والحال أن فَخِذَ النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت على فخذِ زيدِ بنِ ثابتٍ أثناءَ النزولِ. وهذا الجزءُ من الحديثِ احتجَّ به من لم يَرَ الفخذَ عورةً؛ لأنه لو كانتِ الفخذُ عورةً لما وضعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فخذَه على فخذِ زيد، وسوف يأتي كلامٌ على ذلك أيضًا في حديثٍ يأتي قريبًا.
ثم قال (فثقلت علي حتى خِفْتُ أن تُرَضَّ فخذي) ؛ وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا نزلَ عليه الوحيُ يَعْتَريه أحوالٌ تُدَلِّلُ على أنه يحصل له شيءٌ خارقٌ ليس كما يُعرَفُ على البشرِ عامة. فالقرآن له ثِقْلٌ كما قال الله - عز وجل: ... فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه شيءٌ من القرآن تأخذه الرُّحَضَاءُ ويعرق عرقًا شديدًا ولو كان في اليومِ الشاتي شديدِ البردِ، وكذلك كان يحمَرُّ وجهُه ويغط غطيطًا شديدًا ثم يثقل جدًا حتى إنه لو نزل عليه الوحي وهو على دابة لبرَكت هذه الدابةُ ولما استطاعت أن تتحمل ثقلَ هذا الوحي. فيُخبر زيد أنه لما نزلت هذه الآيةُ على النبي - صلى الله عليه وسلم - صادف ذلك أن فَخِذَ النبي عليه الصلاة والسلام كانت على فخذ زيد، فكادت أن ترضَّها وتؤذيَها إيذاءً شديدًا من هذا الثقل.