فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 160

فذكر في هذا الباب حديثَ عبدِ الله بنِ أبي أوفى عندما كتب إلى عمرَ بنِ عُبيدِ الله، وقد ذكرنا طرفًا من هذا الحديث في حديثنا عن باب: الجنةُ تحت بارقةِ السيوف، فقد ذكر فيه جزءًا من حديثِ النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كتبه ابنُ أبي أوفى وفيه"واعلموا أن الجنة تحتَ ظلالِ السيوف". ومن التعليماتِ والتوجيهاتِ التي ذكرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وكتبها ابنُ أبي أوفى في هذا الكتاب"إذا لقيتموهم فاصبروا"، أي: إذا لقيتم العدوَّ فاصبروا واثبتوا كما ذكر الله - عز وجل - في كتابه: ... فهذا أدبٌ من آدابِ القتالِ وسوف يأتي إن شاء الله تعالى الحديثَ مطوَّلًا في أبوابٍ قادمةٍ، والحديثُ جامعٌ ذُكِرَ فيه أدبُ المجاهدين. نسأل الله - عز وجل - أن يمدَّ في العمر حتى نصلَ إليه ونشرحَه كاملًا.

ثم يقول هنا (باب التحريض على القتال) وذكر فيه قولَ الله - عز وجل - ... ، والتحريضُ هو: الحثُّ والتحضيضُ، والله - عز وجل - أمرَ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أن يُحرِّضَ المؤمنين على القتالِ؛ أي: يشجعَهم ويحثَّهم. وقد نفَّذَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وصيةَ الله - عز وجل - له وأمرَه - عز وجل - بذلك، وكذلك سلك من بعدَه من أهلِ الخير والفضلِ من القرون المفضلة ومن تبعهم هذا المسلكَ. ولا بدَّ أن نَسْلُكَ نحن أيضًا هذا المسلكَ اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ونسألُ الله - عز وجل - أن تكون هذه الدورةُ وكلامُنا عن القتالِ والجهاد في سبيل الله من هذا الباب وأن يُكتَبَ لنا هذا الأجرُ العظيمُ.

وذكر في هذا الباب حديثَ أنس - رضي الله عنه - عندما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندقِ، وتعلمون ما حدث في غزوة الخندق من اجتماعِ جحافلِ الكفر حول المدينة يريدون أن يفتِكُوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحفر خندقٍ حولَ المدينة، وكان ذلك بإشارةٍ من سلمانَ الفارسيِّ - رضي الله عنه - كما روي ذلك. فخرج ذاتَ يومٍ وهم يحفُرون فإذا بهم يحفرون بأنفسِهم ليس لهم عبيدٌ يكفونَهم هذه المشقةَ، وتخيَّلوا حفرَ خندقٍ يمنع من دخولِ المقاتلين الكفارَ بخيولهم حولَ المدينة. ولم يكن الخندقُ حولَ المدينة كلِّها طبعًا، ولكنه كان في مسافةٍ كبيرة جدًا بين جبلينِ، وهذا المكانُ هو المدخلُ الذي سيدخلُ منه الأحزابُ في مَقْدَمِهِم إلى المدينة، فلذلك حفرَ الخندقَ لمنعِهِم من الدخولِ. فتعِبَ الصحابةُ تعبًا شديدًا في حفرِ هذا الخندقِ وأصابهم شيءٌ عظيمٌ من النصَبِ والتعبِ والجوعِ، والقصصُ الواردةُ في بعض هذه اللحظاتِ الشديدةِ كثيرةٌ لا نستطيعُ أن نطيلَ بها الآن، ولكن لعلَّه يعرُضُ بعضُها وهي مذكورةٌ في المغازي وأحداثِ غزوةِ الخندقِ في صحيحِ البخاري أيضًا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مشجعًا لهم: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) ؛ هذا يواسيهِم به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على هذه المشقَّةِ وهذا الألمُ الذي يشعُرون به أثناءَ هذا الحفرِ، ثم يدعو لهم فيقول (فاغفرِ اللهم للأنصارِ والمهاجرة) . وهذا الكلامُ فيه شيءٌ من السجَعِ والنَّظْمِ، وتختلف فيه الرواياتُ، وكما قلنا إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إذا قال بيتًا أو بيتين أو نحوِ ذلك لا يعتبَرُ هذا من الشِّعْرِ الذي يُزِيلُ عنه عدمَ معرفته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت