فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 160

بالشعرِ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بشاعرٍ ولا يَعرِفُ أن يقولَ الشعرَ، هكذا أرادَ الله - عز وجل - له أن لا يعرفَ الشعرَ وكُتِبَ له أن يعرفَ أعظمَ من الشعر ومن النظمِ ومن النثرِ ومما يعرفُه الفصحاءُ البلغاءُ وهو القرآنُ الكريم، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - بيتًا أو بيتين من الشعرِ لا يتنافى مع ذكرِ الله - عز وجل - أنه ما علَّمَ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - الشعرَ، كما قال تعالى: ... ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال هذا البيتَ للصحابة فقالوا مجيبين له:

نحنُ الذين بايعوا محمدًا ... على الجهادِ ما بقينا أبدا.

ثم ذكر الإمامُ البخاري بعد ذلك بابًا في حفرِ الخندقِ، فذكر نفسَ الحديثِ وذكر فيه أن الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا يحمِلُون الترابَ في حفرِ الخندقِ على متونِهم (أي: على ظهورهم) ويقولون هذا الكلام:

نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا.

وذكر فيه حديثَ البراء، وفيه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان ينقلُ ويقول (لولا أنت ما اهتدينا) ؛ يعني: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل معهم الترابَ ويقول أثناءَ النقلِ (لولا أنت ما اهتدينا) . وهذه الكلماتُ جزءٌ من أبياتٍ تمثَّل بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وهي من شعرِ عبدِ الله بنِ رواحةَ، وسوف تأتي مطوَّلةً في الطريق الثاني، وفيه (رأيت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يومَ الأحزاب ينقل الترابَ ـ وقد وارى الترابُ بياضَ بطنه ـ) يعني: من شدةِ النقل. والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أبيضَ بياضًا كالفضةِ فيما داخل جسده - صلى الله عليه وسلم -؛ فظهرُه وبطنُه كان بياضُه فيها كأنه سبيكةُ فضة كما جاء ذلك في بعضِ الروايات، وهو يقول أثناء نقلِ التراب (لولا أنت ما اهتدينا ... ) أي: لولا أنت يا الله وتوفيقُك لنا وعونُك لنا ما تصدقنا ولا صلينا ولا اهتدينا، (فأنزلِ السكينةَ علينا) وهي: الهدوءُ والطمأنينةُ، (وثبتِ الأقدامَ إن لاقَيْنا) يدعو الله - عز وجل - بتثبيتِ الأقدامِ عند لقاءِ العدو (إن الألى) أي: الناس وهم الكفار، (قد بغَوا علينا وإن أرادُوا فتنةً أَبَيْنا) أي: إن أرادوا إخراجَنا من الإيمانِ إلى الشركِ أبينا، يعني: رفَضْنا ولم نُسَلِّمْ لهم.

والشاهدُ في ذكرِ الحديثِ في باب (التحريض على القتال) ؛

قال بعضُ أهلِ العلم: هو مباشرتُه - صلى الله عليه وسلم - للحفرِ بنفسِه، وهذه وجهةُ نظرٍ وأراها بعيدةً. ولكن الشاهدَ فيه من التحريضِ على القتالِ هو ما ذكره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه بقوله"إن العيشَ عيشُ الآخرةِ فارحمِ الأنصارَ والمهاجره"؛ فدعاؤه لهم بالرحمةِ والمغفرةِ لأنهم يقومون بالتجهيزِ للعدوِّ، فيه تحريضٌ لهم على الاستمرارِ بهذا العملِ العظيم. وكذلك قولُه"إن العيشَ عيشُ الآخرة"إنما هو بيانُ أن جزاءَ هذا العملِ الذي يعملونه هو الفوزُ في الآخرة، وفي هذا تحريضٌ صريحٌ وواضحٌ. ثم إن فيه أيضًا إقرارًا لأصحابه حيث يحرضُ بعضُهم بعضًا فإنهم جاوَبُوه قائلين (نحن الذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت