فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 160

بايعوا محمدًا، على الجهادِِ ما بقينا أبدًا)؛ فهذا فيه تحريضٌ لبعضِهم البعض، فهذا الذي يظهرُ لي في سَوْقِ هذا الحديثِ في باب التحريض.

أما إفرادُ البخاري بابًا لحفرِ الخندق، فهذا من أبوابِ الجهاد؛ لأن حفرَ الخندقِ نوعٌ من الأنواعِ التي تُسْتَعمَلُ في محاربةِ العدوِّ وفي الجهادِ في سبيل الله، فهذا كما يسميه العسكريون (التكتيك العسكري) فحفرُ خندقٍ يحجِزُ الكفارَ عن التقدمِ والمهاجمةِ أمرٌ مطلوبٌ في الجهادِ.

شاهدٌ يؤخَذُ من هذه الرواياتِ ونختِم به اللقاءَ اليوم، وهي مسألةُ الإنشادِ والأناشيدِ الإسلاميةِ وقد تكلَّمنا فيها كثيرًا، ولكن عندما أتى مجالُها الآن نُعَرِّجُ عليها باختصار.

نلاحظُ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنشدَ هو وأصحابُه أثناءَ حفرِ الخندقِ، وهذا أولًا دليلٌ على التسلي بمثلِ هذا الإنشادِ، ولا يأتي شخصٌ يقول كان الأولى لهم أن يقرأوا كتابَ الله أو أن ينشَغِلُوا بالتسبيحِ والذِّكْرِ، مع أنه لا شكَّ أن قراءةَ القرآنِ والانشغالَ بالتسبيحِ والذكرِ أفضلُ من الإنشادِ، ولكن لكلِّ مقامٍ مقالٌ؛ والشخصُ وهو يعمل الأولى له أن يأتيَ بالشيء الذي يُنَشِّطُه ولا يؤاخَذُ على عدم التركيزِ والإنصاتِ وفي نفس يكون له مساهمةٌ تُنْسِيه الألمَ والتعبَ الذي يشعرُ به أثناءَ العملِ، فالذي يقوم بعملٍ ويضعُ شريطًا يستمعُ فيه إلى شيءٍ من الإنشادِ لا شكَّ أن النشيدَ يُعِينُه ويسهِّلُ له العملَ الذي يقوم به.

ثم النقطُة الأخرى وهي: الإنشادُ بالنغمات. قلنا قبلَ ذلك: الذي يُحَدِّدُ نغمةً ويمنع نغمةً معينةً يطالَبُ بالدليلِ، فَمَنِ الذي قالَ إن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقولُ ذلك بنغمةٍ جميلةٍ وبصوتٍ جميلٍ، ومن الذي قال إن الصحابةَ رضي الله عنهم عندما كانوا يقولون هذه الأبياتِ لم يكونوا يقولونها بصوتٍ جميلٍ وبنغمةٍ جميلةٍ؟ بل الظاهرُ والذي يتبادرُ إلى ذهنِ المتأملِ أنهم كانوا يقولون ذلك بنغمةٍ جميلةٍ وبصوتٍ جميلٍ وبصفةٍ جماعيةٍ أيضًا، وهذه نقطةٌ أخرى، فالنَّغمُ هو الذي يُنَشِّطُ ويعينُ ويبعثُ في النفسِ النشاطَ والأنسَ والسرورَ، ولأجلِ ذلك كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يتخذ الحُدّاءَ ويطلبُ من الحادي أن يحدوَ بالإبلِ لأن الصوتَ الجميلَ والنغمةَ الجميلةَ يعين الإبلَ على السيرِ مسافاتٍ طويلةً ولا تشعرُ بالتعبِ.

هذا الذي أردتُ أن أثيرَه لأن الإنشادَ في الجهادِ والإعدادَ للجهادِ فيه دفعٌ وتنشيطٌ للإنسانِ وخاصة الأناشيد الجهادية الحماسية التي تحثُّ على النشاطِ والتجهزِ للجهادِ، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت