فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 160

أخذه بحقِّه كما ذكرنا، (فجعلَه في سبيلِ الله واليتامى والمساكينِ) ، أما الذي لم يأخُذْه بحقِّه فقد مثَّلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالآكلِ الذي لا يشبَعُ (ثم يكون عليه شهيدًا يوم القيامة) كما جاء في أحاديثَ أخرى أنه يُكوَى بها جنبُ كانِزِه وظهرِه، والله سبحانه وتعالى أعلم.

باب من جَهَّزَ غازيًا أو خَلَفَه بخيرٍ.

59 ـ حدثنا أبو معمرٍ، حدثنا عبدُ الوارثِ، حدثنا الحسينُ قال: حدثني يحيى قال: حدثني أبو سلمةَ قال: حدثني بُسْرُ بنُ سعيدٍ قال: حدثني زيدُ بنُ خالد - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"من جَهَّزَ غازيًا في سبيلِ الله فقد غَزا، ومن خَلَفَ غازيًا في سبيلِ الله بخيرٍ فقد غزا".

60ـ حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا همامٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله، عن أنسٍ - رضي الله عنه: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدخُلُ بيتًا في المدينةِ غيرَ بيتِ أمِّ سُلَيمٍ، إلا على أزواجِه، فقيل له، فقال: إني أرحمُها، قُتِلَ أخوها معي"."

هذا الحديثُ من الأحاديثِ التي تَفْسَحُ المجالَ أمامَ المسلمينَ في تحصيلِ أجرٍ عظيمٍ جدًا قد لا يَتَيَسَّرُ لجميعِهم؛ فإن الغزوَ كما تعلمون أمرُه عظيمٌ، ويحولُ بين المسلمِ وبين أدائِه ظروفٌ عِدَّةٌ مع عِظَمِ أمرِه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:"من ماتَ ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّثْ نفسَه بالغزوِ مات على شعبةٍ من النفاقِ"، نسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ. فلا بدَّ للمسلمِ أن يغزوَ في سبيلِ الله أو على الأقَلِّ أن يُحَدِّثَ نفسَه حديثًا صادقًا بنيةٍ مخلِصَةٍ لله - عز وجل - أن يغزوَ في سبيلِ الله إن لم يتيسَّرْ له ذلك.

وهذا البابُ فَتَحَ بابًا عظيمًا لمن لم يستطِعْ الغزوَ بنفسه أو تعذَّرَ عليه ذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"من جَهَّزَ غازيًا فقد غزا"، وهذا تحقيقٌ منه - صلى الله عليه وسلم - بحصولِ أجرِ الغزوِ لمَنْ جَهَّزَ غازيًا.

فنِعْمَ الحثُّ ونعمَ الفضلُ، وعلينا جميعًا أن ننتهزَ هذه الفرصةَ العظيمةَ؛ فإن لم نجاهدْ بأنفسِنا فلنجَهِّزِ الغزاةَ الذين يجاهدونَ في سبيلِ الله، لعلَّ الله - عز وجل - أن يتقبلَ هذا التجهيزَ وأن يكتبَ لنا أجرَ الغزوِ وأجرَ الجهادِ بهذه النية، وأن يرفعَ عنا هذا التقاعسَ وهذا التكاسلَ الذي وقعنا فيه وهذا التفريطَ الذي وقعتْ فيه الأمةُ بمثلِ هذا العملِ اليسيرِ.

ومن جَهَّزَ غازيًا جاء في بعض الرواياتِ (حتى يستقل) ؛ يعني: تجهيزًا كاملًا تامًا من جميعِ جوانبِ التجهيزِ، فيجهزُه بالملبَسِ والسلاحِ والمَطْعَمِ والدابةِ، وأن يستكملَ للمجاهِدِ عُدَّتَه. فإذا عَرَفَ غازيًا فإنه يُنفِقُ عليه ما يُتَمِّمُ له تجهيزَه حتى مع نفقةِ السفرِ فإنه يُكتَبُ له أجرُ هذه الغزوةِ كاملةً سواءٌ رجَعَ أم قُتِلَ هناك في سبيلِ الله، فهذا فضلٌ عظيمٌ كما قلتُ أن يُكتَبُ لك أجرُ الشهادةِ في سبيلِ الله وأنتَ قاعدٌ في بيتِكَ، فمن يَكرَهُ هذا ولا يحرِصُ عليه؟!

وجاء في بعضِ الأحاديثِ الصحيحةِ أن الأجرَ يكونُ بينهما، أي: من جَهَّزَ الغازي أو من خلَفَ الغازي في أهلِه فإن الأجرَ يكونُ بينهما. وهذا ليسَ على سبيلِ المناصفةِ وإنما باعتبارِ أن كلَّ واحدٍ منهما يأخذً أجرًا كما يأخذَُ الآخرُ فكأنَّ الأجرَ مقسومٌ بينهما نصفين، وليس المرادُ أن الأجرَ ينقسمُ حقيقةً نصفين فيأخذُ المجاهدُ النصفَ ويأخذُ المُجَهِّزُ النصفَ. وكما تعلمون أن الدالَّ على الخيرِ كفاعلِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت