فهرس الكتاب
ثم نوعٌ آخرُ قد يقارِبُ الموتَ ولا يموتُ ولكنه يتأذى كثيرًا لأنه أكثرَ من الأكلِ ولكنه لم يصلْ إلى درجةِ الدابةِ التي انشغلتْ وانهَمَكَتْ في كثرةِ الأكلِ ولم تلتفتْ إلى ما يُصْلِحُها وينفعُها.
ثم ذكرَ نوعًا واحدًا هو الذي يَسْلَمُ، وهو الدابةُ التي تأكلُ بقدْرٍ معيَّنٍ (حتى إذا امتدَّتْ خاصرتاها) يعني: إذا شعرت بشيءٍ من الشِّبَعِ وامتلأ خاصرتاها بالطعامِ، استقبلتِ الشمسَ للسكينةِ وللهدوءِ وللشعورِ بالدفءِ وتركتْ هذا الطعامَ الزائدَ ولم تلتفتْ إليه، (فثَلَطَتْ وبالت) أي: أخرجَتْ ما فاضَ عن حاجَتِها، ويُقال للدابةِ (ثلطت) إذا أخرجَتْ فضلاتِ طعامِها بصورةٍ سائلةٍ وبطريقةٍ لَيِّنَةٍ هَيَّنَةٍ، فأخرجتْ ما فاضَ وفَضَلَ عنها وما زادَ عن حاجةِ جِسْمِها، (ثم رتَعَتْ) وجلستْ ترتَعُ في هذه الجنانِ وهذه المروجُ التي أنبتَها الربيعُ.
وقوله (أكلَتْ حتى امتَدَّتْ) ؛ يعني: الدابةَ التي تأكلُ الخَضِر، وقد جاءَ ذلك في بعضِ ألفاظِ هذا الحديثِ حيث يقولُ - صلى الله عليه وسلم:"إلا آكلة الخضر"؟
فهذا التمثيلُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر فيه أصنافًا ثلاثة:
ـ نوعٌ من الناسِ يأكلُ من هذا المالِ ولا يلتفتُ إلى حلالٍ وحرامٍ حتى يهلِكَهُ هذا المالُ ويكون سببًا في ضياعِه ودخولِه جهنم، والعياذ بالله. كالدابَّةِ التي أكلَتْ مما يُنبِتُ الربيعُ حتى ماتت من كثرةِ الأكلِ، فلم تُخْرِجْ شيئًا من هذا المالِ وإنما أكلت بنَهَمٍ ولم تلتفتْ إلى ما ينفعُها ويضرّثها، فماتت. فكذلك الذي يجمعُ المالَ من غيرِ حِلِّهِ ولا يتلفتُ إلى حرامٍ أو حلالٍ ثم يُتخَمُ به ولا ينفِقُ منه شيئًا فإنه يقتُلُه بمعنى أنه يُضيِّعُه ويُفسِدُ عليه آخرتَه، بل إنه يفسِدُ عليه دنياه أيضًا.
وذكرَ نوعًا آخرَ، وهو الذي يأخُذُ من هذا المالِ، ولكنه لا يأخذُه من حرامٍ بل من حلالٍ فقط ولكنه لا يُخرِجُ منه شيئًا في سبيلِ الله، فهذا كالدابةِ التي تأكُلُ مما يُنبِتُ الربيعُ ولكنها لا تَصِلُ على الموتِ الكاملِ، وإنما يحصُلُ لها ما يشابِه الموتَ، فكذلك الشخصُ الذي لا يُنفِقُ في سبيلِ الله ويمسكُ المالَ فإنه يقارِبُ الهلاكَ لأنه يعذَّبُ في نارِ جهنمَ وإن كان يَخْرُجُ منها بعدَ ذلك بأصلِ إيمانِه.
وهناك القسمُ الثالثُ؛ وهو الذي يأخذُ من هذا المالِ بالقصدِ وما يحتاجُ إليه، ولا يلتفتُ إلى الإكثارِ مما لا ينفعُه، ثم بعد ذلك يُخرِجُ ما زادَ عن حاجتِه وما لا يحتاجُه جسدُه. فهذا مِثْلُ الدابةِ التي تأكُلُ ما تَيَسَّرَ لها وما يُشبِعُها ثم بعد ذلك تُخرِجُ هذا السلحَ، وهو ما عَبَّرَ عنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله (ثلطت ثم بالت) وفي هذا تشبيهٌ بليغٌ بأن هذا الذي يُخرِجُه المسلمُ من المالِ يُشابِه هذه القاذوراتِ التي تُخرِجُها الدابةُ، ولأجلِ هذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسمي الصدقاتِ أوساخَ الناسِ؛ لأنها تَغْسِلُ ذنوبَهم وتُطهِّرُهم وتُريحُهم وتُزَكّي أموالَهم ولأجلِ ذلك سُمِّيَتْ زكاةً.
والشاهدُ في الحديثِ أن الصدقةَ في سبيلِ الله هي التي تنفعُ صاحبَها وهي التي تُنَمّي أموالَه وهي التي تُبارِكُ له في هذا المالِ وتجعلُه ينتفِعُ بماله.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم - (وإن هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، ونِعْمَ صاحبُ المسلمِ لمن أخذه بحقه) يعني: هذا المالُ جميلٌ يُحِبُّه الإنسانُ بطبيعته وبما جبَلَه الله - عز وجل - عليه، وهو نعمَ صاحبٍ للمسلمِ أي: يكون نافعًا للمسلمِ إذا