فهرس الكتاب
وفيه أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قامَ على المِنبَرِ ووعظَ أصحابَه موعظةً بليغةً فحذَّرَهُم من زهرةِ الدنيا وما يُفتَحُ عليهم من البركاتِ.
ويقول هنا (بدأ بإحداهُما وثنّى بالأخرى) يعني: بَشَّرَ أصحابَه بهذه البركاتِ التي ستُفتَحُ عليهم وحذَّرَهم من خشيتِه عليهم من هذا المالِ وهذه الفتنةِ التي تندرج تحتَ هذه البركاتِ، فبدأ ببيانِ خشيتِه من هذا الفتحِ أو بدأ بذكرِ زهرةِ الدنيا، لا يحضُرُهُ بأيِّ واحدةٍ منهما بدأ.
ثم يقول (فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشرِ؟) ؛ هذا سؤالٌ يستفهم فيه هذا الرجلُ من الصحابةِ الكرامِ، وكأنه يستَنْكِرُ أن يكونَ الخيرُ وهو هذا المالُ وهذه البركاتُ أن تأتيَ بالشَّرِّ، فكيف يحذِّرُهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من خيرٍ فَتَحَ اللهُ عليهم به، فسكتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فترةً علم الصحابةُ منها أنه يوحى عليه. وهذا الحديثُ من الأدلةِ التي تُدلل على أن السنةَ إنما كانت تنزِلُ بوحيٍ من الله - عز وجل -، وقد ذكرنا أمثلةً لذلكِ في دورةِ الحديثِ، ومن ذلك ما كان في الإِذْنِ في الخروجِ لحاجَتِهِنَّ فإنه أُنزِلَ عليه - صلى الله عليه وسلم - فلما سُرِّيَ عنه قال لهن:"قد أَذِنَ اللهُ لكُنَّ في حاجَتِكُنَّ"، وكذلك الرجلَ الذي سأله في إحرامِه بالعمرةِ وقد تَضَمَّخَ بالطيبَ ولبس جبةً، فأنزل عليه الوحي ثم سُرِّيَ عنه فقال له:"انزَعْ عنك الجبةَ واغسِلْ عنكَ هذا الخلوقَ وافعلْ في حجَّتِكَ ما تفعلُ في عُمْرَتِكَ"، أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -، فهذا كلُّه من الأدلةِ على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان ينطقُ إلا عن وحيٍ مصداقًا لقولِ الله سبحانه وتعالى: ... ويقول - صلى الله عليه وسلم:"أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه"، يعني بذلك السنةَ. فكل ذلك وحيٌ من الله.
فلما سكتَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - سكتَ الناسُ أيضًا وصمتوا وتركوا الحركةَ حتى كأَنَّ على رؤوسِهِمُ الطيرَ، يعني: لو تحرَّكوا لطارَ هذا الطيرُ، فسكتوا لأجلِ ذلك. وهذا تمثيلٌ لسكونهم وعدمِ حركتهم.
ثم قال (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح عن وجهه الرُّحَضَاءَ) والرحضاءُ: العرقُ الذي كان يُصيبُ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان ينزلُ عليه الوحيُ، وكما قلنا حتى إن ذلك كان يحصلُ في اليوم الشاتي شديدِ البردِ ومن شِدَّةِ الوحيِ وثقلِه عليه - صلى الله عليه وسلم - كان يتصببُ عَرَقًا.
فلما أزاحَ عن نفسِه ومسحَ هذا العرقَ قال: أين السائلُ آنفًا؟ ثم قال له (أوَ خيرٌ هُوَ؟ ثلاثًا) هذا التكرارُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - ليُدَلِّلَ على أن المالَ ليس خيرًا حقيقيًا وإنما هو خيرٌ بشرطٍ وشرٌ بغيرِ ذلك، فإن لم يُطَبَّقْ هذا الشرطُ فإن المالَ في الحقيقةِ لا يكونُ خيرًا لصاحبِه بل يكونُ شرًا ووبالًا على صاحبِه. ثم ضُرِبَ له هذا المثلُ العظيمُ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"وإنه كل ما ينبت الربيع ...."فشبَّهَ المالَ بالنباتِ الذي يُنبِتُهُ الربيعُ. والربيعُ كما تعلمون هو الفصلُ الذي يخرُجُ فيه الأزهارُ والثِّمارُ وتخضَرُّ الأرضُ وتَيْنَعُ وتظهَرُ بهجتُها، فمَثَّلَ المالَ بزهرةِ الربيعِ وبجمالِ الثمارِ التي تخرُجُ في الربيعِ وقال (إن كلَّ ما يُنبِتُ الربيعُ إما يقتُلُ حَبَطًا) يعني: إذا أكلتْ منه الدوابُّ وأكثرتْ عندما ترى هذه الأنواعَ وهذا الجمالَ فتموتُ بَشَمًا، فمعنى حبطًا أي: من شِدَّةِ الأكلِ وكثرَتِه وحصولِ التُّخْمَةِ في بطنِ الدابةِ، فتجدُ الدابةَ قد ماتتْ من كثرةِ أكلِها من هذا الخيرِ الذي نَبَتَ مع وجودِ الربيعِ.