فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 160

فهذا البابُ داخلٌ في الإعدادِ للجهادِ والدعمِ له، وهو النفقةُ في سبيلِ الله. وهذا الفضلُ العظيمُ الذي ذكره أبو هريرةَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن (من أنفقَ زوجينِ في سبيلِ الله) أي: شيئين من أي نوعٍ كان؛ كناقةٍ مع جملٍ فإن ذلك يخدُمُ الجهادَ أكثرَ من أن ينفقَ شيئًا واحدًا، لأنه يمكنُ أن يحصلَ بينَ الزوجينِ تكاثُرٌ، وهذا يُفيدُ في دعمِ الجهادِ أكثرَ، ونحو ذلك.

والمرادُ عمومًا الإكثارُ من النفقةِ حتى وإن لم يكنِ الأمرُ معلقًا بذَكَرٍ وأُنثى. فالإكثارُ من النفقةِ في سبيلِ الله تجعل المسلمَ تناديه خزنةُ الجنةِ من كلِّ بابٍ، فانظروا إلى هذه الفضيلةِ العظيمةِ، فالمسلمُ يتمنى أن يُسمَحَ له بدخولِ الجنة، وهو الذي يسعى أن يدخلَ من البابِ ويُؤْذَنَ له، وهذا الذي يُنفِقُ مالَه في سبيلِ الله إنما يَتَخَطَّفُه خزنةُ أبوابِ الجنة، كلُّ بابٍ تناديه خزنتُه ولا ينادونه هكذا وإنما ينادونه بلفظِ الترخيمِ ولفظِ التدليلِ فيقولون له (أي فُلْ أي فل) ولفظة (فُلْ) لفظةٌ تُطلَقُ ويرادُ بها فلانٌ، ولكن بنوعٍ من الترخيمِ تكريمًا له وحِرصًا عليه، فهذا دليلٌ عظيمٌ على فضلِ الجهادِ في سبيلِ الله، فإن أيَّ شيءٍ يسيرٍ يُنفقُهُ المسلمُ يصِلُ به إلى أعلا منازلِ سائرِ الأعمالِ، فكما تعلمون أنه في الجنةِ بابٌ يُقالُ له الريانُ لا يدخلُ منه إلا الصائمون، ولكن المجاهدَ الذي جاهدَ ولو بمالِه فقط فإنه ينادَى من جميعِ الأبوابِ ويقال له (هَلُمَّ وأقبِلْ وتعال) يعني: يحرصونَ على دعوتِه لكي يدخلَ الجنةَ، فأيُّ فضلٍ أعظمُ من هذا الفضلِ. فلْنَحْرِصْ يا أخوان على النفقةِ في سبيلِ الله، وإن لم نُدْرِكِ الجهادَ بالنفسِ فلندركِ الجهادَ بالنفقةِ، ولأجلِ هذا نرى أن أبا بكرٍ كان تعليقُه على هذا الفضلِ العظيمِ أنه قال (يا رسولَ، ذاك الذي لا تَوَى عليه) أي: لا هلاكَ ولا ضياعَ عليه. فإن كان قد أنفقَ مالَه في سبيل الله فإنه ادَّخَرَهُ، وهذا المالُ لم يذهبْ ولم يهلِكْ ولم يضِعْ وإنما ادَّخَرَ به فضلًا عظيمًا جدًا لا يتأثَرُ ولا يتَحَسَّرُ على هذه النفقةِ في وقتٍ من الأوقاتِ.

فكانتِ البشارةُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه - في قوله (إني لأرجو أن تكون منهم) . وكما تعلمون فإن أبا بكر - رضي الله عنه - المجاهدَ الذي جاهدَ بنفسه وماله في سبيلِ هذا الدين، جعل الله جميعَ أعمالِنا في ميزانِ حسناتِه وميزانِ الصحابةِ الأبرارِ الذين نصروا هذا الدين بأنفسِهِم وأموالِهِم. هذا أبو بكر - رضي الله عنه - الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما نفعني مالٌ ما نفعني مالُ أبي بكر"، وذكر أنه لا أحدٌ أمنُ عليه إلا أبو بكر - رضي الله عنه - فإنه كان ينفقُ كلَّ ما يملكُ في سبيل الله - عز وجل - حتى إنه يومَ الهجرةِ أخذَ مالَه أجمعُ الذي كان في بيتِه وأتى به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم:"ماذا تركْتَ لأهلِكَ يا أبا بكرٍ؟"قال: تركتُ لهم اللهَ ورسولَه. فهذا أبو بكرٍ - رضي الله عنه - الذي حاولَ عُمَرُ - رضي الله عنه - أن ينافِسَهُ في النفقةِ فلم يستطِعْ، فكان هو مِنْ أحقِّ الصحابةِ أن يُقالَ له هذه البشرى (إني لأرجوَ أن تكونَ منهم) فإنه - رضي الله عنه - سوف ينادَى من جميعِ أبوابِ الجنة (أن هلم وأقبل) وهو حقيقٌ بذلك، والله أعلم.

الحديثُ الثاني الذي ذكره الإمامُ البخاريُّ رحمه الله في هذا البابِ، بابِ فضلِ النفقةِ في سبيلِ الله حديثٌ عجيبٌ، وهو مليءٌ بالفصاحةِ والبلاغةِ النبوية وجوامعِ الكَلِمِ التي هي مما اختُصَّ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وفُضِّلَ به عن سائرِ الأنبياءِ عليهم صلوات الله وسلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت