فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 160

وهذا أيضًا ينسحبُ على المرابطِ كما قلنا في هذه الرواية التي ذكرناها؛ فربما يكون الشخصُ لا يباشرُ قتالًا وإنما هو يرابطُ، والرباطُ يَحصُل معه القدرةُ على الصومِ من غيرِ ضعفٍ عن الجهادٍ فيُفَضَّلُ معه أن يصومَ ويُكثِرُ من الصومِ لأجلِ الفضلِ الذي ذكرناه.

وهناك من أهلِ العلمِ من اعتبرَ كلمةَ السبعينَ هنا للتكثير، كما نوَّهْنا سابقًا بأن العربَ يذكُرونَ السبعَ ويذكرون السبعينَ ويريدون التكثيرَ. فذهب بعضُ أهلِ العلمِ أن لفظةَ السبعين هنا إنما هي للتكثيرِ لأنه قد ورد في بعضِ الطرقِ أن الفضلَ مائةُ عام، فهذا دليلٌ على أن السبعينَ ليست حدًا لهذا الفضلِ وقد تزيدُ. والله تعالى أعلم.

باب فضلُ النفقةِ في سبيلِ الله.

57 ـ حدثني سعدُ بنُ حفصٍ، حدثنا شيبانُ، عن يحيى، عن أبي سلمةَ أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أنفقَ زوجينِ في سبيلِ الله دعاه خزنةُ الجنة ـ كلُّ خزنةِ بابٍ ـ أي فُلْ، هلم". قال أبو بكر: يا رسولَ الله، ذاك الذي لا تَوى عليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إني لأرجو أن تكونَ منهم".

58 ـ حدثنا محمدُ بنُ سنِانٍ، حدثنا فُلَيحٌ، حدثنا هلالٌ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قام على المِنبرِ فقال:"إنما أخشى عليكم مِن بعدي ما يُفتَحُ عليكم من بركاتِ الأرضِ"، ثم ذكر زهرةَ الدنيا فبدأ بإحداهما وثنّى بالأخرى. فقام رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشرِّ؟ فسكت عنه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قلنا: يوحى إليه، وسكت الناسُ كأن على رؤوسهمُ الطيرُ. ثم إنه مسح عن وجهه الرُّحَضاءَ فقال:"أين السائلُ آنفًا؟ أوَ خيرٌ هو ـ ثلاثًا ـ إن الخيرَ لا يأتي إلا بالخيرِ. وإنه كلُّ ما يُنبِتُ الربيعُ ما يقتُل حَبَطًا أو يَلِمُّ، أكلَتْ حتى إذا امتَدَّتْ خاصرتاها استقبلَتِ الشمسَ فثَلَطَتْ وبَالَتْ ثم رَتَعَتْ. وإن هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، ونِعمَ صاحبُ المسلمِ لمن أَخَذَهُ بحقه فجعلَه في سبيلِ الله واليتامى والمساكينِ، ومن لم يأخذْه بحقِّه فهو كالآكلِ الذي لا يشبعُ، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة".

هذا البابُ في نوعٍ من أنواعِ الجهادِ العظيمةِ، وهو الجهادُ بالمالِ. وقد قدَّمَ الله - عز وجل - الجهادَ بالمالِ في مواضعَ من كتابه؛ فإن الإنسانَ قد يشِحُّ بمالِه أكثرَ مما يشح بنفسه.

ففي هذا البابِ يتكلمُ عن فضلِ النفقةِ في سبيلِ الله، وهو من أفضلِ الجهادِ؛ فإن المالَ عصبُ الحياة، والله - عز وجل - ذكر أن المالَ هو قوامٌ للإنسانِ، وكما تعلمون أنه لا بدَّ في الجهادِ من إعدادٍ، وإعدادُ العدةِ والتسليحِ ونفقةِ الجنودِ كلُّ ذلك يستلزمُ مالًا، فالمسلمُ عليه أن يُنفِقَ وأن يسارِعَ بالإنفاقِ في سبيلِ الله، وهذه الآيةُ التي يضعُها البعضُ في غيرِ محَلِّها إنما نزلتْ في تَرْكِ النفقةِ في سبيلِ الله، والله تعالى يقولُ في كتابه ... فالذي لا يُنفِقُ مالَه في سبيلِ الله إنما يُلقي بيده إلى التهلُكَةِ، والمرادُ بالتهلكةِ العذابُ في جهنمَ والعياذُ بالله.

والله - عز وجل - يدعونا إلى النفقة ويذكر أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت