فهرس الكتاب
في سبيلِ الله وإن كانوا في المدينةِ مقيمين، وهو أن الذي حبَسَهم عن الخروجِ ليسَ التكاسلُ وليس عدمُ الصدقِ مع الله - عز وجل - وإنما الذي حبسهم هو العذرُ الشرعيُّ المقبولُ، والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الإمامُ البخاريُّ رحمه الله بعضَ الأمورِ المتعلِّقَةِ بالنكاتِ الحديثيةِ فذكر أن موسى قد روى هذا الحديثَ عن حمادٍ عن حُمَيْدٍ، فجعل هناك واسطةً وهو موسى بنُ أنسٍ بين حُميد وهو الطويلُ وبين أنسٍ. ثم رجَّحَ الإمامُ البخاري رحمه الله أن القولَ الأولَ وهو روايةُ حمادِ بنِ زيدٍ وروايةُ زهيرٍ أصحُّ، فكلاهما روى هذا الحديثَ عن حُميد قال عن أنسٍ مباشرة ولم يذكروا موسى بنَ أنس.
وحمادٌ المذكورُ في الروايةِ التي ذكر موسى بنُ أنس هو حمادُ بنُ سلمةَ.
ورجَّحَ البخاري الروايةَ الأولى وإن كان الحافظُ ابنُ حجرَ رحمه الله قال: الكلُّ ثابتٌ ويُوَجَّهُ هذا بأن يكونَ حُميد قد سمع الحديثَ من موسى بن أنسِ عن أبيه ثم سمعه مباشرةً من أنسٍ وهذا يحدث بكثرةٍ والله تعالى أعلم.
قال البخاري رحمه الله:
باب فضلُ الصومِ في سبيلِ الله.
56 ـ حدثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ قال: أخبرني يحيى بنُ سعيدٍ وسهيلُ بنُ أبي صالحٍ أنهما سمعا النعمانَ بنَ أبي عَيّاشٍ عن أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول:"من صام يومًا في سبيل الله بَعَّدَ اللهُ وجهَه عن النارِ سبعينَ خريفًا".
ذِكْرُ الإمامِ البخاريِّ رحمه الله لهذا الحديثِ في كتابِ الجهادِ يُدَلّلُ على أنه يذهب إلى أن هذا الحديثَ المرادُ به الصومُ في الجهاد، يعني كلمة (في سبيل الله) هنا المراد منها الجهاد.
وهناك من أهلِ العلم من حمل هذا الحديثَ على عمومِ كلمة في سبيل الله بمعنى: قربةً إلى الله وعبادةً لله، فإن كلَّ الأعمالِ المقبولةِ تكون في سبيل الله - عز وجل -. ولكن الذي يظهرُ من ترجمةِ الإمامِ البخاري لهذا الحديثِ ووضعِه في كتابِ الجهاد أنه يذهب إلى القولِ الأول وهو الأظهرُ لأنه قد وردَ ما يشابِهُهُ في بعضِ الرواياتِ، ومن ذلك ما رُوي أنه ما من مرابِطٍ يرابطُ في سبيلِ الله فيصومُ يومًا في سبيلِ الله إلا باعد الله بينه .. وهكذا إلى آخر الحديث. وأيضًا النصُّ على فضلٍ زائدٍ مُعَيَّنٍ لهذا العملِ فيه دلالةٌ على أنه يُقصَدُ به حالةٌ معيَّنة. وقد تقدم أن هناك من الصحابةِ من كان يُفَضِّلُ الجهادَ على الصومِ، فما هو الجمعُ بين الأمرين؟
الجمع بينَ الأمرين أن الجهادَ لمن قَدَرَ عليه له فضلٌ عظيمٌ، ولكن إذا كان صيامُه وهو يجاهِدُ سوف يُضعِفُه عن الجهادِ فالأولى والأفضلُ في حقه أن يُفطِرَ؛ لأن أجرَ الجهادِ أفضلُ وأعظمُ من فضلِ الصومِ، وقد تكلَّمْنا عن ذلك في هذا البابِ الخاصِّ بهذه المسألةِ، وهنا أن من استطاعَ أن يجمعَ بين الأمرينِ فلم يُضْعِفْه الصومُ عن الجهادِ فإنه يُفَضَّلُ في حقِّهِ أن يجمعَ بينَ الأمرين.