فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 160

وتحذيرِه، وإنما هذا ثابتٌ من فعله صلى الله عليه وسلم ومن فعلِ أصحابِه من بعدِه وسلفِ الأمة، فكثيرٌ من الأسلحةِ التي كانت تُستَخْدَمُ في عهدِ النبي - صلى الله عليه وسلم - استُفيدَتْ من الكافرين؛ كبعضِ السيوفِ الهندية، وكذلك حفر الخندق، وقضية المنجنيق وغير ذلك من الأسلحةِ التي لم يكن يعرفُها العربُ، ولا حرجَ كما قلنا في الاستفادةِ من خبراتِ الكافرين طالما أنها تعودُ بالخيرِ والنفعِ على المسلمين.

فالشاهدُ هنا هو مسألةُ حفرِ الخندقِ، ويدخلُ في هذا في أيامِنا تعلمُ بعضِ الأمورِ العسكريةِ وأخذُ الأسلحةِ من هؤلاءِ الكافرينَ ومسايرةِ كلِّ ما ينتجُ عندهم على اختلافِ بقاعِهِم ومشاربِهم، ولا يقولُ المسلمُ إن هذا تشبُّهٌ بهم، وإنما إذا أرادَ أن يطلقَ يقول: إن هناك شَبَهٌ أو مشابهةٌ لهم، وإنما التشبهُ كما قلتُ لا بدَّ فيه من القصدِ.

ويدخلُ في ذلك أيضًا أيُّ أمرٍ آخرَ غير قضايا التسليحِ وما يستفادُ منه في الجهادِ، كالأمورِ العامةِ من الأنظمةِ التي يُستفادُ منها في المدنِ والمباني وقضايا المواصلاتِ والنقلِ وكلِّ شيءٍ في الحياةِ وُجِدَ فيه فائدةٌ عند الكافرينِ فالمسلمُ بها أولى وليسَ هذا من التشبه والله تعالى أعلم.

وفي باب اليومِ يقولُ البخاري (من حبسه العذر عن الغزو) وهذا الأمرُ قد مَرَّ في بابٍ آخر وهو البابُ الذي ذُكِرَ فيه قولُ الله عز وجل: ... . وهذا البابُ يعتَبَرُ تكميلًا للبابِ السابقِ، فهذا البابُ الذي ذكر فيه الآية كان منصبًا على عُذْرٍ مُعَيَّنٍ وهو العمى وسببِ نزولِ الآيةِ التي استثنت غيرَ أولي الضَّرَرِ، وليسَ شرطًا أن يكونَ الشخصُ الذي لم يستطِعِ الجهادَ صاحبُ ضررٍ بل قد يكونُ صحيحَ البدنِ وليس متضررًا بشيءٍ وإنما لا يستطيعُ أن يجاهدَ لعذرٍ آخَرَ إما لكِبَرِ سِنٍّ وإما لقلةِ مالٍ وعدمِ وجودِ الظهرِ كما ذكر الله عن البكائينَ الذين إذا جاءوا إلى النبيِّ ليحملَهم معه قال ... فهؤلاء كلهم يدخلون تحتَ مسمى العذر. وقول البخاري (من حبسه العذر عن الغزو) يعني: ما حكمُه، أو يكون تقديرُه أنه يلحقُ بِمَنْ غزا؛ لأن الذي حبسهُ العذرُ يُؤجَرُ بهذه النية الصادقةِ في رغبَتِه في الجهادِ في سبيلِ الله.

فالمسلمُ الآنَ إذا صَدَقَ في النيةِ وأرادَ أن يشارِكَ في الجهادِ، ولكن كانتْ السبُلُ لا تُيَسِّرُ له الذهابَ ولم يُفتَحْ له المجالُ فإنه يُؤجَرُ على ذلك وكأنه مع الذين يجاهدون، وهذا فضلٌ عظيمٌ علينا أن نُرَوَّضَ أنفسَنا عليه.

ثم ذكر الإمامُ البخاري رحمه الله في هذا البابِ حديثَ أنسٍ - رضي الله عنه - في غزوةِ تبوكٍ، فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو في غزوةِ تبوكٍ ذَكَرَ لأصحابِه أن أقوامًا في المدينةِ لم يخرجوا معه في هذا الغزوةِ ولكن ما سَلَكَ المسلمون الذين معه شِعْبًا، يعني: طريقًا في الجبلِ أو واديًا من الأوديةِ إلا وهم معهم فيه ومعنى قولُه (وهم معنا فيه) يعني: شركاءَ معهم في الأجرِ كأنهم معهم حقيقة في هذا المسيرِ، وكما ذكر الله عزَّ وجلَّ ... فيُكتَبُ لهم الأجرُ كاملًا كما لو كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسيرِه. ثم ذكرَ السببَ في تحصيلِهم لهذا الأجرِ العظيمِ وأنهم كالمجاهدينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت