فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 160

يكون مع الأكفانِ خاصٌّ بالميت، وهذا دليلٌ على أن المسلمَ الشجاعَ الحقَّ الذي باعَ نفسَه لله - عز وجل - إنما يدخل القتالَ وهو يعلم أنه سيُقتَلُ ويموتُ لا يرجو من دخولِه حياتًا وإنما باعَ نفسَه لله، وهذا مصداقُ قولِه تعالى: ... فالتحنطُ للقتال دلالةٌ على أن الذي سوف يدخل هذه المعركةَ إنما ينوي القتلَ والموتَ ولا ينوي الحياةَ وأن يخرجَ من هذه المعركةِ يستَانِفُ حياتًا جديدةً.

وهذه النقطةُ تَلْحَقُ بنقطةِ الانغماسِ بالعدوِّ والحملِ على العدو، وقضيةِ العملياتِ الاستشهادية التي سبق أن ذكرناها وتكلَّمنا عليها بالتفصيلِ في لقاءٍ سابق؛ وذلك لأن الذي يدخلُ الحربَ محنَّطًا قَصَدَ أن يُقتَلَ في هذه المعركةِ، فسواءٌ حصلَ القتلُ بيدِ غيرِه أم بيدِ نفسه، فالقتلُ حاصلٌ له لا محالةَ. ولا شكَّ أن التحنَّطَ للقتالِ يبعثُ في النفس الشجاعةَ والإقدامَ، وكذلك يُشَجِّعُ الآخرين؛ فإن إخوانَه إذا رأَوْهُ لبس ثيابَه وتحنَّطَ شعروا في أنفسهم إما بالتقصيرِ إذا لم يُؤَدُّوا ما يجب عليهم بالقتالِ، وإما بالعزيمةِ على أن يفعلوا مثلَ فعلِ هذا الشخصِ الذي أقسمَ على الموتِ لا يهابُه ولا يخشاه، وإنما يُرَحِّبُ به وينتظره ويتلقاه.

والتأسي بمن مع الإنسانِ في المعركةِ أمرٌ هامٌ جدًا؛ فإن القضيةَ النفسيةَ في القتالِ لها دورٌ عظيمٌ، ونحن الآن نعيشُ في الوضعِ الحالي في أفغانستانَ وفي العراقِ نلاحظُ أن أعداءَ الله يحاربون المسلمينَ محاربةً نفسيةً عظيمة، فيُوهِمونَهم أن كلَّ شيءٍ قد انتهى، وأنهم قد قَضَوا على المسلمين وأنهم قد مَلَكوا زمامَ الأمور، وأنهم أصبحوا هم المسيطرين، وهذه كلُّها أكاذيبُ، ونسألُ الله - عز وجل - أن يَرُدَّ كيدَهم في نحرِهم، والمسلمون ولله الحمد بخيرٍ وما زالوا يقاتِلون وسيقاتلون إن شاء الله تعالى حتى يُخرِجوا أعداءَ الله من ديارِهم أو يموتوا شهداءَ، يموتوا شرفاءَ، هذا هو المظنونُ بهم إن شاء الله تعالى، ونسألُ الله - عز وجل - أن لا يؤاخذَنا بضعفِنا وعجزِنا وخَوَرِنا في هذا الحالِ.

والتحنطُ للقتال يشابِهُ الآن ما يفعلُه البعضُ وإن كانوا ليسوا على المنهجِ الصحيحِ ممن يُسَمَّوْنَ في العراقِ الآن (فدائيوا صدام) فهؤلاء كما تلاحِظونَ يلبَسونَ ثيابًا بيضاءَ كأنهم يُشيرون بذلك إلى أنهم منتظرون للموت، وهذا كما قلتُ يبعث في النفوسِ الإقدامَ والحماسَ والشجاعةَ ويشجع إخوانَهم على مثلِ فِعلهم إن صدقوا في فعلِ ذلك لوجهِ الله - عز وجل - ليس لأجلِ شخصٍ ولا لأجلِ مذهبٍ باطلٍ وإنما في سبيل الله - عز وجل -.

هذا الحديثُ أخرجه الإمامُ البخاري بصورةٍ تُسمى عند أهلِ العلم (بصورة الإرسال) ، فالحديثُ عن موسى بنِ أنس قال: وذكر يومَ اليمامة قال: (أتى أنسُ بنُ مالكٍ ثابتَ بنَ قيس) ، وموسى بنُ أنسٍ لم يشهدْ هذا الوقتَ الذي جاء به أنسٌ إلى ثابتِ بنِ قيس، وهذه الصورةُ تسمى (صورة إرسال) يعني: فيها شيءٌ من الانقطاعِ في السند، ولكن الإمامَّ البخاريَّ رحمه الله أخرجَ من هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت