"ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور بحيث إذا تدبر السامع صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على سواء كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجيء، وكالكلام المرخص به في الحرب، وكالتدليس فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله:"قال فلان"ويسمي شيخًا له ظاهرًا في الاتصال بل يكون محتملًا، وهكذا من عرف بالمزاح إذا مزج بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يرد بها ظاهرها وإن كان فيهم من لا يعرف ذلك إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه على أن ينبه في المجلس، وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلو" (1/ 36) .
14 -أشد موجبات رد الراوي:
"كذبه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحو ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة" (1/ 37) .
15 -كيف تقال التهمة بالكذب في حق الراوي:
"وينبغي أن يعلم أن التهمة تقال على وجهين:"
الأول: قول المحدثين:"فلان متهم بالكذب"وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمد الكذب أم غلط؟ فإذا تدبر وأمعن النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به، فعلى هذا الثاني إذا ظنه على أن الراوي تعمد الكذب قال فيه:"متهم بالكذب"أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى ... [1]
الوجه الثاني: مقتضى اللغة، والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم وهو كما في (القاموس) "من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه"ولا تهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يجب أن يعتقد السامع ثبوته وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه وعلى من بينه وبينه نفرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يحمد عليه واخبراه عمن هو نافر عنه بما يذم عيه وقس على هذا كل ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب .. وتلك الدواعي تخفي وتتفاوت آثارها في
(1) كلام محذوف للاختصار.