فهرس الكتاب
126 -... وَذلك بُرْهَانٌ عَلى أنَّ قدْرَهَا
جَنَاحُ بَعُوض أوْ أدَقُّ وألامُ [1]
إن فعل الدنيا بالناس -كما مر بنا- دليل واضح بيِّن على أن قدرها هو تركها، والزهد فيها، وعدم تعظيمها والاهتمام بها؛ لأنها حقيرة لا تساوي شيئًا، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء) [2] .
127 -... وَحَسْبكَ مَا قالَ الرَّسُولُ مُمَثِّلًا
لهَا وَلدَارِ الخلدِ وَالحَقُّ يُفهَمُ [3]
128 -... كَمَا يُدْلِي الإنْسَانُ فِي اليَمِّ إصْبَعًا
وَيَنْزعُهَا مِنْهُ فمَا ذَاكَ يُغْنَمُ [4]
يكفيك تمثيلًا للدنيا وحقارتها أمام الآخرة ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مفاضلًا بينهما وممثلًا لهما، كما روي المستورد رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه(وأشار يحي بالسبابة) في اليم فلينظر بم يرجع [5] .
قال النووي [6] : ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة إلى الآخرة -في قِصَر مدتها وفناء لذاتها، ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها -إلا كنسبة الماء الذي
(1) برهان: حجة. قدرها: قدر الشيء: مبلغه. أدق: أقل، يقال أخذ جله ودقه: أي كثيرة وقليلة. الأم: أظهر خصال اللؤم (لسان العرب) .
(2) رواه الترمذي: 2320، 4/ 560. انظر السلسلة الصحيحة للألباني: 943.
(3) حسبك: يكفيك. دار الخلد: الجنة.
(4) يدلي: دلا الدلو: نزعها، وأدلاها: أرسلها في البئر.
اليم: البحر. ينزعها: يخرجها. يغنم: يفوز ويظفر.
(5) رواه مسلم: 2858، والترمذي: 2323، وابن ماجه: 4108، وأحمد.
(6) في شرح مسلم: 17/ 192.