فهرس الكتاب
ويأمرك المصنف أن تقبل على الجنات؛ والإقبال عليها يعني الإقبال على الأعمال التي يحبها الله سبحانه، لكي يقبلها منك، ثم يثيبك بعد ذلك الجنات التي وعدك إياها؛ وهي المنازل الحقيقية للإنسان؛ لأنها المكان الدائم الذي لا يزول.
196 -وَلكنَّنا سَبْيُ العَدوّ فَهَلْ تَرى
نَعُودُ إِلى أوْطاننَا وَنُسَلمُ [1]
يمثل الناس في الدنيا كمثل شخص أخذه العدو أسيرًا وحبسوه عندهم، فهو يترقب الساعة التي يؤذن له فيها بالذهاب إلى وطنه والسلام على أهله؛ فالإنسان في الدنيا هكذا: وطنه الجنة، وأهله الحور العين. فهو يواصل عمل الليل بالنهار حتى يؤهل نفسه لكي يذهب إلى وطنه وأهله.
197 -وَقَد زَعَموا أنَّ الغريبَ إذا نأى
وَشطتْ بِه أوطانُهُ فهوَ ُمؤْلِمُ [2]
198 -وأيُّ اغْتِراب فَوْقَ غُرْبتنا التي
لها أَضْحَت الأعداءُ فينَا تَحكَّمُ [3]
قالوا: إن الإنسان إذا بعد عن وطنه وأهله، وأصبح غريبًا بين أناس لا يعرفهم، فإنه لا تطمئن نفسه، ولا يشعر بالراحة والاستئناس، بل إن فكره دائمًا مشغول في الرجوع إلى أهله.
إذا كان هذا حال الغريب، فأي غربة أعظم من غربة الإنسان في الدنيا التي ليس له فيها خلود، وهو فيها غريب؛ لأن أوطانه بعيدة عنه - ألا وهي
(1) السبي: الأسر.
(2) نأى: بعد. شطت: بعدت (ترتيب القاموس) .
التألم: التوجع. الإيلام: الإيجاع (لسان العرب) .
(3) أضحت: ظلت (مختار الصحاح) .