الصفحة 5 من 30

تميز المقبول من المردود، لذلك سألوا عن الرواة وتتبعوهم في جميع أحوال حياتهم العلمية، وحتى في عقر دارهم. وكانوا يبينون أحوال الرواة وينقدوهم حسبة الله، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا تستولي عليهم العاطفة، فليس في نقاد الحديث من يحابي في الحديث، فقد قصد الجميع خدمة الشريعة وحفظ مصادرها.

وقد أكد العلماء ضرورة بيان أحوال الرواة، وأن ذلك ليس بغيبة، بل في ذلك حفظ الشريعة وصيانتها من الدخيل الزائف، واستدلوا بما ثبت في السنة من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجرح: (بئس أخو العشيرة) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في التعديل: (نعم عبد الله خالد بن الوليد سيف من سيوف الله) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في النصيحة: (أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له) [1]

وذلك حين جاءت فاطمة بنت قيس تسأله عن حال الرجلين، كانا تقدما لخطبتها، فقال ذلك علي وجه النصيحة لها.

ومن هذا أخذ العلماء جواز ذكر الشخص، وما فيه من المساوئ حتى يحذره الناس، وأن هذا ليس من باب الغيبة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: (( جاء أبو تراب: يا شيخ لا تغب العلماء، فقال له: ويحك هذه نصيحة ليست بغيبة ) ) [2] .

وكان غاية العلماء المحدثين في هذا بيان الحق بكل أمانة وتجرد، ولولا ضرورة التأكد من أحوال الرواة؛ لما خاضوا في هذا الباب. قال يحي بن سعيد: (( إنا لنطعن في أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة ) ).

منهج العلماء في بيان أحوال الناس ونقدهم:

لما كان أكثر الأحكام لا سبيل إلي معرفتها إلا من جهة النقد والرواية، فقد كان كلامهم في الرواية ونقدهم وسيلة لا غاية، فلم يقصدوا الخوض في أعراض الناس، لهذا التزموا الاعتدال في بيان أحوالهم، فلم يتناولوا في ذكر أحوال الرواة غير الجانب الذي يهمهم، وهو الجانب الديني، وقد تميز هذا المنهج في بيان أحوال الرواة بعض القواعد المهمة نجملها فيما يلي:

1 -الأمانة في الحكم: فكانوا يذكرون للراوي ما له وما عليه وفضائله ومساوئه، يقول محمد بن سيرين: (( ظلمت أخاك إذا ذكرت مساوئه ولم تذكر محاسنه ) ).

(1) أصول الحديث، محمد الخطيب: (ص 262) .

(2) نفس المصدر: (ص264) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت