الفصل الثالث
القواعد العلمية التي يعتمد عليها شيخ الإسلام ابن تيميه في تقويم الرجال
أولًا: الكلام في الناس يجب أن يكون بعلم وعدل لا بجهل وظلم: الأصل في هذه القاعدة الشرعية قوله تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة:8) ،
قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: (( أي لا يحملنكم بغض قوم علي ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقاَ كان أو عدوًا، ولهذا قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة من الآية8) ، أي: عدلكم هو أقرب للتقوى من تركه )). [1]
وهذه الآية الكريمة ترسم منهاجًا عظيمًا تجعل فيه العدل من لوازم الإيمان ومقتضياته، وترسم منهاجًا دقيقًا يمثل جمع صور العدل مع القريب والبعيد، وينهي عن جميع صور الظلم مع كل أحد.
والعدل به قامت السماوات والأرض، وهو نظام كل شئ، وأساس قيام المجتمعات الإنسانية، قال شيخ الإسلام: (( وأمور الناس إنما تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي قد يكون فيه الاشتراك في بعض أنواع الإثم، أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق، وإن لم تترك فيها، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الإسلام والظلم.
ذلك أن العدل نظام كل شئ، وإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن صاحبها من أهل الدين، من خلاف، ومتي لم تقم بالعدل لم تقم وإن كان صاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة )) .
وقال أيضًاَ ـ رحمه الله ـ في موضع آخر: (( والعدل مما اتفق أهل الأرض علي مدحه وصحته والثناء علي أهله وصحبتهم، والظلم مما اتفقوا علي نبذه وذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم، والعدل من المعروف الذي أمر الله به، وهو الحكم بما أنزل الله علي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها.
والحكم به واجب علي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلي من اتبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر، وهذا واجب علي الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية أو العلمية )) أ. هـ
(1) تفسير ابن كثير: (2/ 35) .