فهرس الكتاب
رضي بذلك أهل الحيرة، وأمرهم به، وعاهدهم على مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم على غير ذي يد حبيسا عن الدنيا تاركا لها أو سائحا تاركا للدنيا وعلى المنعة فإن لم يمنعهم فلا شيء عليهم حتى يمنعهم, وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة 12هـ [1] ،وقد جاء في رواية: أن خالد عرض على أهل الحيرة واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم مالنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة و المناجزة فقد والله أتيتكم بقوم هم على الموت أحرص منكم على الحياة، فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبّا لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلّة فأحمق العرب من سلكها [2] .
"ففي حديث خالد - رضي الله عنه - تتضح بعض الصفات الإيمانية التي تجسدت في جيش فتح العراق، فهذا الجيش يتحرك من أجل هدف سامي، إلا وهو دعوة الناس إلى الإسلام وتبليغ الهداية للبشرية، وليس التوسع في الممالك وفرض السلطان والتمتع بالحياة الدنيا، كما بين خالد أهم مقومات نجاح المسلمين في حروبهم ألا وهو الحرص الأكيد على طلب الشهادة وابتغاء ما عند الله تعالى في الآخرة، كما بين النص السابق حرص الصحابة رضي الله عنهم على تطبيق سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -،وذلك بالرغبة القلبية في هداية البشرية حيث إن خالدًا وبَّخهم على اختيار البقاء على الكفر مع أن بقاءهم على الكفر ودفع الجزية فيه مصلحة مالية للمسلمين ولكن خالدًا من قوم هانت عليهم الحياة الدنيا وفضلوا ما عند الله جل وعلا في الآخرة، وقد سنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم هذا المبدأ السامي [3] ،في قوله - صلى الله عليه وسلم: لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النَّعم [4] ."
وكان فتح الحيرة عملًا حربيًا عظيم القيمة، وسع أمل المسلمين في فتح بلاد فارس، وترامت أخباره إلى الدهاقين والرؤساء فأقبلوا إليه يصالحونه حتى لم يبق مابين قرى سواد العراق إلى أطرافه من ليس مولى للمسلمين أو على عهد منهم [5] .
وبفتح الحيرة تحقق شطر من أمل أبي بكر - رضي الله عنه - في فتح العراق وإخضاعه تمهيدًا لغزو فارس في عقر دارهم، وقد قام خالد بن الوليد - رضي الله عنه - بمهمته في ذلك خير قيام ووصل إلى الحيرة في وقت قياسي حيث بدأ صراعه مع الأعداء في شهر محرم من العام الثاني عشر في معركة الكاظمة (ذات
(1) تاريخ الطبري (4/ 181) .
(2) تاريخ الطبري (4/ 178) .
(3) التاريخ الاسلامي (9/ 148) .
(4) البخاري، كتاب المغازي رقم 4210.
(5) خالد بن الوليد، صادق عرجون، ص222.