الصفحة 38 من 97

"ثم أرسل أبو بكر الوليد بن عقبة إلى عياض مددًا له وهو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قومًا، وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضًا، فقال عياض للوليد: أن بعض الرأي خير من جيش كثيف، ماذا ترى فيما نحن فيه؟ فقال له الوليد، اكتب إلى خالد يمدك بجيش من عنده، فكتب إليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به، فكتب إليه: من خالد إلى عياض، إياك أريد. لَبِثْ قليلًا تأتِكَ الحلائب [1] يحملن آسادًا عليها القشائب [2] ،كتائب تتبعها كتائب [3] ."

رحل خالد بجنده من عين التمر ووصلت أنباؤه إلى أهل دومة الجندل فاستنجدوا، وكان أمر أهل دومة الجندل إلى زعيمين هما: أكيدر بن عبد الملك و الجودي بن ربيعة، فاختلفا فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا أحد أيْمنُ طائرًا منه، ولا أحد في حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قلوا أو كثروا إلا انهزموا عنه، فأطيعوني وصالحوا القوم، فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حرب خالد فشأنكم [4] .

ونزل خالد على دومة الجندل وجعل أهلها ومشايعيهم من بهراء وكلب و تنوخ بين فكي (كماشة) ذراعها الأول عسكره، والثانية عسكر عياض بن غنم [5] وتقدم الجودي بن ربيعة بجنوده نحو خالد وتقدم ابن الحدرجان وابن الأبهم بجنودهما ناحية عياض ودارت المعركة وأنزل خالد الهزيمة بالجودي وأتباعه وانتزع عياض النصر من ابن الحدرجان ومن معه بصعوبة وحاولت فلول المنهزمين الاحتماء بالحصن ولكنه كان قد عج بمن فيه فأغلقوه عليهم وتركوا أصحابهم حوله في العراء ,ولم يلبث خالد أن هاجم من بداخل الحصن بعد أن اقتلع بابه فقتل منهم جموعًا كثيرة [6] ,وبفتح دومة الجندل أصبح للمسلمين موقع استراتيجي ذو أهمية فريدة لأن دومة الجندل تقع على ملتقى الطرق إلى ثلاث جهات فشبه الجزيرة العربية من الجنوب والعراق من الشمال الشرقي، والشام من الشمال الغربي .. وتلك هي العلة في أن عياضًا لم يبرحها بل ظل مرابطًا أمامها إلى أن خف إليه خالد ولو أن دومة الجندل لم تذعن للمسلمين لبقي أمرهم في العراق تحفه المخاطر [7] ." [8] "

(1) الحلائب: ما يحمل عليه من دواب.

(2) القشائب: السموم جمع قشب.

(3) البداية والنهاية (6/ 354) .

(4) البداية والنهاية (6/ 355) ؛ تاريخ الطبري (4/ 195) .

(5) خالد بن الوليد، صادق عرجون، ص231.

(6) تاريخ الطبري (4/ 196) ؛ أبو بكر الصديق، خالد الجنابي، ص54.

(7) ابوبكر الصديق، نزار الحديثي، خالد الجنابي، ص54.

(8) انظر عصر الخلفاء الراشدين (1) ,أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره ,للدكتور علي محمد الصَّلاَّبي ص 416 - 418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت