فهرس الكتاب
كوكبة من أصحابه، وقصد شطر المسجد الحرام، وسار إلى مكة في طريق لم يُسْلك قبله قط، وتأتىّ له في ذلك أمر لم يقع لغيره، حتى انتهى إلى مكة فأدرك الحج هذه السنة (12هـ) ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الحيرة، ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم، فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش [1] ،وأمره بالذهاب إلى الشام وجاء في خطاب الصديق لخالد: أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا [2] ،وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن وهو ولي الجزاء [3] .
وقرر الصديق أن ينقل خالد بن الوليد بجيشه إلى الشام وأن يتولى قيادة الجيوش بها، فالأمر بالشام يحتاج إلى قائد يجمع بين قدرة أبي عبيدة، ودهاء عمرو، وحنكة عكرمة، وإقدام يزيد، وأن يكون صاحب قدرة عسكرية فائقة، مع قدرة على حسم الأمور، وصاحب دهاء وحيلة وإقدام، وصاحب حنكة ودراية مع دقة في تقدير المواقف وصاحب تجربة طويلة في المعارك [4] ،فوقع اختيار الصديق على خالد بن الوليد فكتب إليه بالعراق ونفذ ابن الوليد تعاليم الخليفة ووصل بجيشه إلى الشام بعد رحلة عبر الصحراء لم يذكر التاريخ شبيها لها وستمر معنا بإذن الله، فكانت إمدادات الصديق تتواصل على الشام ويضع الخطط المتطورة ويرد على أساليب الأعداء التكتيكية والمعنوية والمادية التي كان هدفها إشغال الصديق عن هدفه حتى قال قادة الروم: والله لنشغلن أبا بكر عن أن يورد الخيول إلى أرضنا [5] ، وكان رد الصديق: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد [6] .
دروس وعظات وعبر:
أ لقد حنّ خالد بن الوليد إلى الحرم المكي الذي قال الله عنه {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} آل عمران 96 ,ليقضي فريضة الحج وهذه هي أوّل حجة لخالد ابن الوليد لأنّه منذ أسلم لم يعرف طعم الراحة ولا الاستكانة, فكانت حياته كلها جهاد
(1) البداية والنهاية (6/ 357) .
(2) (( أشجوا: أي ضربوا رؤوس القوم ,شجوا: ضربت رؤوسهم
(3) تاريخ الطبري (4/ 202) .
(4) تاريخ الدعوة الى الاسلام، ص359، 360.
(5) البداية والنهاية (7/ 5) .
(6) نفس المصدر (7/ 5) .