فهرس الكتاب
الحرب العسكرية الحديثة, والحمد لله صحابة رسول الله رضي الله عنهم قد جمعوا بين الإيمان العميق والتخطيط العسكري الدقيق فجزاهم الله خير الجزاء ونفعنا بحبهم.
ث إنّ معاتبة الصديق رضي الله عنه لخالد بن الوليد - رضي الله عنه - نتيجة تركه المؤقت للجيش تحمل في طياتها الكثير من المعاني الإيمانية: فبدئها الصديق بتكليف خالد بالذهاب إلى اليرموك وبين له أن المسلمين الكرام يصارعون العدو, ثم عاتبه على تركه المؤقت والسريع للجيش وبين الصديق سبب المعاتبة هو ليس لأنّ خالد ذهب إلى الحج وفارق الجيش دون إذن الصديق, وإنّما لكون وجود خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في الجيش هو الثقل الأكبر في هذا الجيش وهذا يظهر بقوله"فإنه لم يشج الجموع من الناس بعون الله شجاك ولم ينزع الشجى من الناس نزعك"فالصديق يقول إن لا يقوي عزيمة المسلمين بعون الله مثل عزيمتك ولا يوهن الجيش مثل خروجك, وهذه شهادة صدق وإيمان يقولها الصديق بحق خالد - رضي الله عنه - ,ويشجع الصديق خالد بن الوليد ويقول له"فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة، فأتمم يتم الله لك،"ويخاطبه بكنيته أبا سليمان رفعًا لقدره واحترامه لجهاده, ويقول له سر فإنّك على حق, واستمر فإنّك مجانب الصواب, وأتمم أمر الله بالجهاد والله سيتم عليك نصره وعطاؤه, وكذلك لم ينس الصديق أن يحذّر خالد من أن يدخل إلى نفسه شيء من العجب ... وهذه الرسالة درس عملي في التربية الإسلامية فكانت عناصر الرسالة على النحو الآتي:
تكليف بمهمة ثم معاتبة بسيطة ثم رفعًا للهمم وتشجيعًا على الإقدام و ختامًا تزكية للنفس والحث على مراقبتها, وهذا الأسلوب هو أفضل أسلوب تربوي وأفضل تسلسل منهجي في إقناعي الآخرين والتغيير فيهم, ويا حبذا لو نتبع هذا الأسلوب الرائع.
2 -3 - 2 - مسير خالد بن الوليد - رضي الله عنه - لفتح الشام بأمر من الصديق - رضي الله عنه:
"وكان المرشح للبقاء على جيوش العراق بعد سفر خالد المثنى بن حارثة الشيباني لخبرته الواسعة, وكان في خطاب الصديق إلى خالد: دع العراق، وأخلف فيه أهله الذي قدمت عليهم، ثم امضي مخففًا في أهل قوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة، وصحبوك في الطريق وقدموا عليك من الحجاز، ثم تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين، وإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة، والسلام عليك ورحمة الله [1] ،وقسم خالد الجند نصفين: نصفًا يسير به إلى الشام ونصفًا للمثنى، ولكنه جعل الصحابة جميعًا من نصيبه، فقال له المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر كله في استصحاب نصف الصحابة، وإبقاء النصف، فو الله ما أرجو النصر"
(1) الصديق أول الخلفاء، ص169.