فهرس الكتاب
إلا بهم، فأنت تعريني منهم، وكان خطاب الصديق قد وصل إلى خالد قبل سفره يأمره فيه بمن يأخذ من الجند، ومن يدعهم للمثنى ,فما زال خالد يسترضي المثنى ويعوضه عن الصحابة بمقاتلين من سادة أقوامهم من أهل البأس، وممن عرفوا بالشجاعة والصبر، فرضي المثنى آخر الأمر [1] .
وحشد خالد جنوده وانطلق ليعبر إلى الشام صحارى رهيبة، كأنما هي التيه وسأل الأدلاّء: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؟ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث [2] المسلمين! قالوا له: لا نعرف إلا طريقًا لا يحمل الجيوش، فو الله إن الراكب المفرد ليخافه على نفسه! إنك لن تطيق ذلك الطريق بالخيل والأثقال، إنها لخمس ليال لا يُصاب فيها ماء.
قال خالد: إنه لابد من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم وعزم خالد على سلوك هذا الطريق، فنصحه رافع بن عمير أن يستكثر من الماء، فلا ماء حتى يجتاز ذلك الطريق، فأمر خالد جنوده أن يخزنوا الماء في بطون الإبل العطاش، ثم يشدوا مشافرها لكيلا تجتر، فتستنزف الماء [3] ،وقال لرجاله: إن المسلم لا ينبغي أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له [4] .
وسار به الدليل رافع بن عمير في طريق تمتاز بوعورتها وقلة مائها وضياع معالمها وقلة سكانها ولاسيما الجزء الممتد بين قراقر وسوى [5] إلا أنها اقصر الطرق فأوضح خالد لجنده الاعتبارات التي تجعله يفضل سلوك هذا الطريق على غيره وهي السرعة والسرية والمباغتة، وكان رافع قد طلب من خالد أن يهيئ عشرين ناقة كبيرة فأعطاه ما أراد فمنع عنها الماء أيامًا حتى عطشت ثم أوردها اياه فملأت جوفها فقطع مشافرها وكممها فلا تجتر ثم قال لخالد: سر الآن بالخيول وكلما نزلت منزلا نحرت من تلك الإبل وشرب الناس مما تزودوا فسار الجيش من قراقر [6] يستريحون بالنهار ويسيرون بالليل، ولم يترك خالد اأحدًا من جنده يسير راجلًا وإنما اركب الجند الإبل للمحافظة على قابليتهم البدنية، وسار خالد في الطريق وكلما نزل منزلًا نحر عددًا من النوق فأخذ ما في أكراشها فسقاه الخيل ثم شرب الناس مما حملوا من الماء فلما كان اليوم الخامس نفذ الماء فخاف خالد على أصحابه من العطش ,وقال لرافع وهو أرمد: ما عندك فطلب رافع من الناس أن يبحثوا عن شجرة عوسج صغيرة في تلك المنطقة فلم يجدوا إلا جزءًا صغيرًا من ساقها فأمر رافع أن يحفروا
(1) نفس المصدر، ص170.
(2) النجدة و من إغاثة.
(3) الصديق أول الخلفاء، ص171.
(4) الحرب النفسية، د. احمد نوفل (2/ 155) .
(5) القراقر: ماء الكلب في بادية السماوة، وسوى ماء الهراء في بادية السماوة. (ياقوت، المعجم، 3/ 271، 4/ 317) .
(6) قراقر: وهي آخر قرى العراق على حدود الصحراء إلى سول وهي أوائل قرى الشام والمسافة بينهما خمس ليال