الصفحة 60 من 97

المبحث الرابع

بعض الملامح النفسية والسمات الشخصية لخالد بن الوليد - رضي الله عنه -

4 -1 - اجتهاد خالد في عهد الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم:

عن عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه - قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مدديّ من اليمن ... ومضينا فلقينا جموع الروم، فيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وله سلاح مذهب، فجعل الرومي يضرب بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه بسيفه، وفر الرومي، فعلاه بسيفه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين، بعث إليه خالد ابن الوليد فأخذ منه بعض السلب, قال عوف: فأتيت خالدًا، وقلت له: أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكني استكثرته قلت: لتردنها إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فأبى أن يرد عليه, قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا خالد ما حملك على ما صنعت؟"قال: استكثرته فقال:"رد عليه الذي أخذت منه",قال عوف: فقلت: دونكها يا خالد، ألم أوف لك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وما ذلك؟"فأخبرته قال: فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:"يا خالد لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره".

هذا موقف عظيم من النبي - صلى الله عليه وسلم - في حماية القادة والأمراء من أن يتعرضوا للإهانة بسبب الأخطاء التي قد تقع منهم، فهم بشر معرضون للخطأ، فينبغي السعي في إصلاح خطئهم من غير تنقص ولا إهانة، فخالد حين يمنع ذلك المجاهد سلبه لم يقصد الإساءة إليه، وإنما اجتهد فغلَّب جانب المصلحة العامة، حيث استكثر ذلك السلب على فرد واحد، ورأى أنه إذا دخل في الغنيمة العامة نفع عددًا أكبر من المجاهدين، وعوف بن مالك أدى مهمته في الإنكار على خالد، ثم رفع الأمر إلى - صلى الله عليه وسلم - حينما لم يقبل خالد قوله، وكان المفترض أن تكون مهمته قد انتهت بذلك؛ ولكنه تجاوز هذه المهمة حيث حول القضية من قضية إصلاحية إلى قضية شخصية، فأظهر شيئًا من التشفي من خالد، ولم يقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، بل أنكر عليه إنكارًا شديدًا وبيَّن حق الولاة على جنودهم [1] .

وفي قوله صلى الله عليه وسلم:"هل أنتم تاركون لي أمرائي"وسام آخر يضاف إلى خالد - رضي الله عنه - حيث عد من أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم, وهذا من المنهاج النبوي الكريم في تقدير الرجال.

(1) انظر السيرة النبوية وقفات وعظات ج2 ص 476 - 487

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت