الصفحة 77 من 97

لنفسه، فلما حلّت بنى بها [1] ، ويعلق الشيخ أحمد شاكر على هذه المسألة بقوله: إن خالدًا أخذها هي وابنها ملك يمين بوصفها سبية، إذ إن السبية لا عدة عليها، وإنما يحرم حرمة قطعية أن يقربها مالكها إن كانت حاملًا قبل أن تضع حملها، وإن كانت غير حامل، حتى تحيض حيضة واحدة ثم دخل بها وهو عمل مشروع جائز لا مغمز فيه ولا مطعن، إلا أن أعداءه والمخالفين عليه رأوا في هذا العمل فرصتهم، فانتهزوها، وذهبوا يزعمون أن مالك بن نويرة مسلم وأن خالدا قتله من أجل امرأته [2] ،وقد اتهم خالد بأنه في زواجه هذا خالف تقاليد العرب، فقد قال العقاد: قتل خالد مالك بن نويرة و بنى بامرأته في ميدان القتال على غير ما تألفه العرب في جاهلية وإسلام، وعلى غير ما يألفه المسلمون، وتأمر به الشريعة [3] ،فهذا القول بعيدًا عن الصحة، فقد كان يحصل كثيرًا في حياة العرب قبل الإسلام إثر حروبهم وانتصاراتهم على أعدائهم أن يتزوجوا من السبايا وكانوا يفخرون بذلك ولذلك كثر فيهم أولاد السبايا وهذا حاتم الطائي يقول:

وما أنكحونا طائعين بناتهم ... ولكن خطبناها بأسيافنا قسرًا

وكائن ترى فينا من ابن سبية إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرًا

ويأخذ رايات الطعان بكفّه فيوردها بيضًا ويصدرها حمرا [4]

وأما من الناحية الشرعية، فقد أتى خالد أمرًا مباحًا وسلك إليه سبيلًا مشروعة أتاه من هو أفضل منه؛ فإذا كان قد أخذ عليه زواجه أبان الحرب أو في أعقابها، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج بجويرية بنت الحارث المصطلقية إثر غزوة المريسيع، وقد كانت في سبايا بني المصطلق فقضى عنها كتابتها وتزوجها، وكان بها طابع يمن وبركة على قومها إذ أعتق لهذا الزواج مائة رجل من أسراهم لأنهم أصبحوا أصهارًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وكان من آثاره المباركة كذلك إسلام أبيها الحارث ابن ضرار [5] ،كما أنه عليه الصلاة والسلام تزوج بصفية بن حيي بن أخطب اليهودية إثر غزوة خيبر، وبنى بها في خيبر أو ببعض الطريق [6] ، وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأسوة الحسنة، فقد توارى العتاب وانقطع الملام [7] ." [8] "

(1) البداية والنهاية (6/ 326) .

(2) حركة الردة، ص230.

(3) عبقرية الصديق، ص70.

(4) العقد الفريد لابن عبد ربه (7/ 123) .

(5) سيرة ابن هشام (2/ 290،295) .

(6) نفس المصدر (2/ 339) .

(7) حركة الردة، ص237.

(8) انظر عصر الخلفاء الراشدين (1) ,أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره ,للدكتور علي محمد الصَّلاَّبي ص 311 - 316

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت