سلسلة دراسات إسلامية معاصرة
أنور الجندي
منشورات المكتبة العصرية
صيدا - بيروت
###29### الفرويدية
كان علم النفس قبل هذا القرن يبحث في الإنسان، وكأنه روح بلا جسد؛ وكان يهمل دراسة الحيوان وبعض بني الإنسان كالأطفال والبدائيين والشواذ، وكان معظم دراسته للإنسان كفرد منعزل.
أما الآن، فقد سيطرت العلوم الوضعية - كالطبيعة والكيمياء وعلم الحياة - عليه منذ أواخر القرن الماضي، وأصبح يدرس الإنسان كأنه مادة فقط. ثم انحرف عن أسلوب العلاج إلى أسلوب التقرير، فأصبح"جبريًا"يرى أن الإنسان مسير أمام جملة من العوامل التي يحكمها العقل، وأصبح عاجزًا عن أن يخلق المثل الأعلى لأنه غير قادر على تثبيت قيم الأشياء. ولأنه علم وضعي يسير في نطاق ضيق من التجارب، لم يدع علم النفس إلى المجاهدة؛ وإنما دعا إلى ###30### الاستجابة للأهواء والرغبات المذلة؛ لم يرفع الإنسان أمام نفسه إلى الاستعلاء فوق الغرائز؛ ولكن دعاه إلى الاستجابة لها، ولقد كان من ذاته، ولكنها وسيلة إلى مراقبة السلوك، وقد التمس الإسلام طابع الاعتدال في السلوك، والتوسط في الحركة. وقد نما علم النفس في العصر الحديث على الأسس التي رسمها المفهوم الإسلامي، غير أنه لم يلبث أن تحول تحت تأثير المذاهب الفلسفية، وخاصة الفلسفة المثالية، ثم لم يلبث أن انحرف بعد ظهور الفلسفة المادية حتى انتزع كل مقومات التوجيه والخلق، وأصبح علمًا إحصائيًا محضًا يتوقف عند تصوير الواقع، ولا يتعرض للعلاج، ثم هو يتحول عن طبيعة العلوم النفسية والاجتماعية في الدعوة إلى ضبط النفس وحماية الإنسان ومعارضة الشهوات المذلة، إلى الإسراف في الدعوة إلى الإطلاق.
وهذه النقطة بالذات هي مفرق الطريق عن قيام مفهوم علم النفس على تقدير كامل للإنسان روحًا وجسمًا، وبين تحول علم النفس إلى المادية وسقوطه تحت سيطرة المدرسة المنكرة للدين جملة.