تاسعًا: قرر الإسلام بالدعوة إلى العلم أصولا تمنع من الجمود العقلي، وتحمي من التحجر الفكري، من أهم هذه القواعد: إن العلم لا يقول عن شيء، إنه حق، إلا إذا قام البرهان اليقيني القاطع، والحذر كل الحذر من أن يجعل يقينًا ما ليس بيقين، أو أن ينزل الظن منزلة اليقين. ومن الضروري التفرقة بين ما هو حق، وما هو ظن، والإسلام ###75### عدو التقليد، ويدعو إلى الأخذ بالأحسن، ويحكم العقل في كل ما يعرض للإنسان من أمر"والمراد بالعقل: العقل الذي استوفى شروط الفهم التي تؤهله لإدراك ما يلقى إليه".
ثم نترقى في البحث والمقاييس على التدريج والتدريب مع انتقاد المقدمات والتحفظ على الغلط في النتائج؛ ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل لا اتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننتقده طلب الحق الذي به ثلج الصدور، ونصل بالتدرج واللطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف، وتنحسم به مواد الشبهات، وما نحن مع ذلك براء مما هو طبيعة الإنسان من كدر البشرية، ولكنا نجتهد بقدر ما هو لنا من القوة الإنسانية، ومن الله نستمد العون في جميع الأمور.
عاشرًا: كل الدلائل تعطي الحقيقة الثابتة التي لا مرية فيها، وهو سبق الفكر الإسلامي للغرب في وضع أسس المنهج العلمي"التجريبي"على نحو تطبيقي لا نظري قوامه الاستقراء والقياس والتمثيل، ثم انتقاله انتقالا سريعًا مدعمًا إلى التجربة والممارسة العملية على نحو واضح:
قصر البحث العلمي على المشاهدة والتجربة، وجمع المشاهدات ###76### ونتائج التجربة وربطها وتبويبها.
تمحيصها وربط تلك الحقائق على النحو الذي يجعلها تصبح قانونًا طبيعيًا أو نظرية علمية.
استنباط النتائج التي تقضي إليها، وبحث صحة تلك النتائج ومطابقتها للواقع.