يقول إمام المغازي، محمد بن إسحاق:"وكانت بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال، شروطًا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء، وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة الأخيرة، على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة [1] ."
وسواء كان الإذن بالحرب والقتال، جاء قبل الهجرة، كما هو رأي عروة بن الزبير وغيره [2] ، أو كان بعد الهجرة، كما هو ظاهر سياق الآيات، في قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله) [3] .
سواء كان هذا، أو ذاك، فإن بدء الجهاد كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بهذه البيعة. وهذا سر تسميتها ببيعة الحرب.
ففي البيعة الأولى كان الإيمان بالله ورسوله.
وفي البيعة الثانية كان العهد على"الهجرة"و"الجهاد".
وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان، والهجرة، والجهاد، يتحقق وجود الإسلام في واقع جماعي ممكن.
والهجرة لم تكن لتتم لولا وجود الفئة المستعدة للإيواء، ولهذا قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) [4] ، وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [5] ، وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ) [6] في آيات أخرى كثيرة.
(1) انظر: ثقات العجلي: ص (433) ، الثقات لابن حبان: (5/ 432) ، والجرح والتعديل: (8/ 279) ، والتهذيب: (10/ 224) .
وعبد الله بن كعب: ثقة. انظر: التهذيب (5/ 369) ، التقريب: (1/ 442) . فهذا الإسناد حسن.
وقد قال ابن حجر في ترجمة أم منيع (واسمها أسماء بنت عمرو) ، وهي أم معاذ بن جبل، قال:"ذكر ابن إسحاق بسند صحيح، عن كعب بن مالك، أنها كانت مع من شهد العقبة، مع السبعين، هي ونسيبة بنت كعب". الإصابة: (12/ 116) .
وقال الهيثمي:"رواه أحمد، والطبراني بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع".. المجمع (6/ 45) .
(57) ... السيرة لابن هشام: (2/ 97) .
(2) انظر: الدر المنثور: (6/ 57) .
(3) سورة الحج: رقم الآيتين 39 - 40.
(4) سورة الأنفال: الآية 72.
(5) سورة الأنفال: الآية 74.
(6) سورة الأنفال: الآية 75.