ولم تكن البيعة والهجرة والجهاد لتتم لولا انسلاخ المؤمنين الجدد من ولائهم القبلي والوطني، للولاء الشرعي، وتركهم لقياداتهم العشائرية إلى القيادة الإسلامية الواحدة؛ ولذلك جاء النص في البيعة على أن الدم الدم، والهدم الهدم، على إثر قول الأنصار: إن بيننا وبين القوم- يعني اليهود- حبالًا، وإنا قاطعوها.
وقد كانت هذه البيعة هي التمهيد الأخير لهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، وبعدها بدأ المهاجرون يغادرون أرض مكة التي درجوا عليها صغارًا، وشهدت ربوعها ومغانيها مراتع صباهم ولهوهم، بدؤوا يغادرون الأرض التي اختارها الله لتنزل وحيه، وجعل فيها بيته مثابة للناس وأمنًا!.
وخرج معظم المسلمين حتى لم يبق إلا محبوس، أو مأسور، أو رجل تأخر لغرض كعلي بن أبي طالب، وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما [1] .
أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد تأخر ينتظر الإذن الإلهي، وطلب إلى أبي بكر رضي الله عنه أن يكون رفيقه وصاحبه، وحين جاءه الإذن خرج إلى المدينة مستخفيًا عالمًا بما سيصيب قريشًا من الهلع والفزع إذا علمت بخروجه، حتى وصل المدينة بعد رحلة شاقة مليئة بالمخاطر والشدائد والأهوال [2] .
وإن من أعظم مظاهر التضحية في هذه الهجرة أن يغادر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون هذا البلد الأمين الحبيب إلى قلوبهم - بل وإلى قلوب جميع المسلمين- مغادرة يعلمون أن لا استقرار لهم فيه بعدها، وهذا من أشق الأمور على النفس، ولكن رجال العقيدة يرخصون في سبيلها كل غال.
ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى - معنى صعوبة مغادرة مكة وفراقها فراقًا لا سكنى بعده - في العديد من المواقف المؤثرة.
عن عبد لله بن عدي بن حمراء الزهري قال:"رأيت رسول الله صلى الله"
(1) انظر: سيرة ابن هشام: (2/ 123،129) ، والسيرة النبوية لابن كثير (2/ 227،290) .
(2) انظر: حديث عائشة في الهجرة، السابق في الفصل الأول: أسباب الغربة الأولى، حيث ذُكر طرفُه المتعلق بخروج أبي بكر للهجرة إلى الحبشة، وجوار ابن الدغنة.