عليه وسلم واقفًا على الحَزْوَرة [1] فقال: والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت!" [2] ."
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر، وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبَّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد، وحولي إذخر، وجليل؟
وهل أَرِدَن يومًا مياه مَجَنَّة؟ وهل يبدون لي شامة، وطفيل؟ [3]
قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا، إلى أرض الوباء!
ثم قال صلى الله عليه وسلم:"اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدّنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة".
قالت:"وقدمنا المدينة، وهي أوبأ أرض الله، قالت: فكان بطحان [4] يجري نجلًا، يعني: ماء آجنًا [5] " [6] .
وإنما يبين معنى التضحية حقًا حيث يقتلع الإنسان نفسه اقتلاعًا من وطنه؛ ليهاجر في ذات الله إلى حيث يشاء الله.
وبالبيعة المؤكدة الصريحة، ثم بالهجرة بعدها، وجد الإسلام موطنه الذي تنطلق منه دعاة الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وتنطلق منه جحافل الحق المجاهدة أول مرة، وقامت الدولة الإسلامية، المحكمة لشرع الله في عباده،
(1) الحَزْورة: بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الواو، قال الدارقطني: كذا صوابه، والمحدثون يفتحون الزاي ويشددون الواو وهو تصحيف، سوق بمكة، وقد دخلت في المسجد -لما زيد فيه- قاله ياقوت، وقال بعض المعاصرين: وهي ما يعرف اليوم باسم القشاشية، مرتفع يقابل المسعى من مطلع الشمس، والله أعلم.
انظر: معجم البلدان: (2/ 255) ، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية لعاتق البلادي: ص (98) .
(2) الحديث رواه الترمذي في: 50 - كتاب المناقب، 69 - باب في فضل مكة، رقم (3925) ، (5/ 722) ، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
ورواه النسائي في سننه الكبرى، 8 - كتاب المناسك، 306 - فضل مكة (ل 55أ) .
وابن ماجه في: 25 - كتاب المناسك، 103 - باب فضل مكة، رقم (3108) (2/ 1037) .
والدارمي في: 17 - كتاب السير، 67 - باب إخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، رقم (2513) ، (2/ 156) .
وأحمد في المسند: (4/ 305) .
والحافظ عبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده، برقم (490) ، ص (439) وفي سند المطبوع عدة أخطاء.
وهو من حديث صحيح من رواية الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف عن عبد الله بن عدي.
وأشار إليه الترمذي من رواية محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال: وحديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن حمراء عندي أصح، (5/ 723) ، وذلك لأن محمد بن عمرو صدوق له أوهام كما قال ابن حجر في التقريب: (2/ 196) ، فالزهري أوثق منه وأحفظ.
ولكن يعكر على هذا أن الزهري نفسه رواه عن أبي سلمة عن أبي هريرة كما في المسند: (4/ 305) ، والسنن الكبرى (ل 55أ) ، كما رواه نفسه عن أبي سلمة عن بعضهم في المسند أيضًا: (4/ 305) .
قال ابن حجر بعد ذكر الاختلاف في الحديث على الزهري:"... والمحفوظ الأول". الإصابة (6/ 163) .
يعني: رواية الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء.
وقال المباركفوري:"... الظاهر أن كلا الحديثين صحيحان، وليس أحدهما أصح من الآخر"... تحفة الأحوذي: (10/ 427) .
وكون الحديثين بمنزلة واحدة من الصحابة فيه نظر؛ لأن الحديث الأول وهو حديث الزهري عن أبي سلمة يترجح بعدة أمور:
1 -تعدد رواته عن الزهري من الثقات الأثبات في مقابل راوٍ واحد له عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو معمر بن راشد وهو ثقة ثبت كذلك.
2 -تصريح الزهري بالتحديث في الرواية الأولى، أما في الرواية الثانية فقد عنعن.
3 -أن الرواية الثانية فيها اختلاف، فمرة قال معمر: عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة أرسله، ومرة عن الزهري عن أبي سلمة عن بعضهم.
أما حديث معمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فقد ورد من طريق أخرى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهذا يرجح صحة الحديث عن كلا الصحابيين: أبي هريرة، وعبد الله بن عدي ابن الحمراء. والله أعلم.
وللحديث شاهد عن ابن عباس بمثله.
رواه الترمذي في الموضع السابق وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفي التحفة: حسن صحيح غريب .. حديث رقم (5539) ، (4/ 421) .
وله شاهد مرسل من حديث أبي سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ضمن قصة فتح مكة الطويلة.
ورواه ابن أبي شيبة في كتاب المغازي، (2435) حديث فتح مكة، رقم (18746) ، (14/ 476) .
(3) الإذخر والجليل نبتان من نبات مكة، ومجنة سبق التعريف بها، وشامة وطفيل جبلان بقرب مكة، وقال الخطابي: كنت أحسب أنهما جبلان حتى ثبت عندي أنهما عينان. انظر الفتح: (7/ 263) .
(4) بطحان في ضبطه أوجه: بضم الباء وسكون الطاء عند المحدثين، وبفتح الباء وكسر الطاء عند كثير من أهل اللغة، وضبط بفتح الباء وسكون الطاء، هو أحد أودية المدينة الثلاثة: العقيق وبطحان وقناة.
انظر: معجم البلدان: (2/ 446) .
(5) الآجن: هو المتغير، انظر: النهاية (1/ 26) .
(6) رواه البخاري في:30 - كتاب فضائل المدينة، 12 - باب: (2/ 224) بهذا اللفظ.
وفي: 63 - مناقب الأنصار، 46 - باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة: (4/ 263) .
وفي: 75 - كتاب المرضى، 8 - باب عيادة النساء الرجال (7/ 5) .
22 -باب من دعا برفع الوباء والحمى: (7/ 11) .
وفي: 80 - كتاب الدعوات، 43 - باب الدعاء برفع الوباء والوجع (7/ 160) .
ومسلم في: 15 - كتاب الحج، 86 - باب الترغيب في سكنى المدينة، رقم (480) (2/ 1003) .
وأحمد في المسند: (6/ 56، 65، 221 - 222، 239، 260) وفي هذه الرواية وحدها - في المسند - ذكر اللعن.
وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام، ذكر من اعتلَّ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 238) .