الصفحة 161 من 583

العرب، حيث يوجد البيت والمشاعر، وآثار الحنيفية وذكرياتها، وكانت العرب تعظم البيت وتحجه، وهذا جعل لمكة ولقريش خصائص فريدة، قال الإمام الخطابي رحمه الله:"وبلغني عن بعض العلماء أنه سئل عن قريش، كيف صارت أفضل العرب قاطبة، وإنما هي قبيلة من مضر؟ فقال: لأن دار قريش لم تزل موسم الناس، ومنسك الحاج، وكانت العرب تقصدها في كل عام لحجهم، وتَردها لقضاء نسكهم، فهم لا يزالون يتأملون أحوالهم، ويراعونها، فيختارون منها أحسن ما يشاهدونه، ويتكلمون بأفصح ما يسمعون من كلامهم، ويتخلقون بأحسن ما يرونه من شمائلهم، فصاروا أفضل العرب من قِبَل حُسن الاختيار، الذي هو ثمرة العقل، فلما ابتعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم منهم، تمت لهم الفضيلة، وكملت لهم به السيادة" [1] .

ولذلك صارت مكة -أيضًا- مركزًا تجاريًا، وحوله تقوم الأسواق المشهورة للعرب، وهذا جعلها مكانًا مناسبًا لانطلاق الدعوة الإسلامية المجددة للملة الحنيفية، وجعل من ارتياد العرب لها للحج، أو التجارة أو غيرهما فرصة لمحادثتهم، ونشر الدعوة بينهم، وهذه كانت أقوى وسيلة إعلامية ممكنة في ذلك العصر.

وقد استفاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الميزة، فكان يعرض نفسه على الناس في المواسم، والأسواق [2] ، وكانت قريش تلقى عنتًا، وعناء شديدًا، في حجب حقيقة النبوة عن العرب.

أما المدينة، فبالإضافة إلى قربها من مكة، ووجود الروابط القوية بينهما، فقد كانت توجد فيها قبيلتا الأوس والخزرج، وهما قبيلتان كبيرتان تتمتعان بالقوة، كما كانت المدينة أقدر من غيرها على استيعاب جموع المهاجرين إليها، وإيجاد المجالات المناسبة لعملهم، فضلًا عن وقوعها في طريق القوافل التجارية المتجهة نحو الشمال من مكة مما يسهل حصار مكة منها، وتضييق الخناق عليها إذا دعى الأمر [3] .

(1) كتاب العزلة: ص (48) .

(2) سبق مرارًا.

(3) وهذا ما حدث فعلًا، كما في غزوة بدر وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت