التمهيد
إن هذه الأمة التي غادرها النبي صلى الله عليه وسلم قويةً، عزيزةً، موحَّدةً على كلمة الله، قائمةً بأمر الله، قد نفَذَت إليها عوامل الضعف والتردِّي كما نفذت إلى الأمم المؤمنة السابقة، وأثَّرت فيها أسباب التفرُّق، والاختلاف، والتنازع، حتى أصبحت أهواء شتَّى، وآراء متباينة، وفرقًا يكفِّر بعضها بعضًا، ويلعن بعضها بعضًا، ويقتل بعضها بعضًا -إلا مَن عَصَمَ الله، وقليلٌ ما هُم- كما حدث هذا كله للأمم السابقة.
وإزاء هذا الأمر الواقع -لا محالة- نجد النصوص -قرآنًا وسنَّةً- عُنيَتْ ببيان جانبين متقابلين:
الجانب الأوَّل:
أن هذا الأمر سيحدث -ولابدَّ- حيث ستفترق الأمة، وتختلف، وتتقاتل، والنصوص الحديثية -خاصة- لا تُحصى كثرة في هذا الباب، فمنها ما يشير إلى عموم الاختلاف والتفرق الواقع في الأمة، ومنها ما يشير إلى أسبابه، ومنها ما يشير إلى تفاصيل محدَّدة فيه، ومنها ما يشير إلى نتائجه.
والنص -هنا- يتحدَّث عن أمر غيبيٍّ قَدَريٍّ، وعن قضاء سابق مقرَّر محتوم، لا مردَّ له من الله.
وهذا الإخبار عن الوقائع، والأحداث، والتحوُّلات، التي سَتُبْتَلى بها الأمة، يحقِّق فوائد وحكمًا عديدة:
أ- منها أنه دليلٌ واضحٌ على صدق نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه يتلقَّى عن الله الذي يَعْلَم الغيب، ولا يظهر على غيبه أحدًا؛ إلا مَن