الصفحة 19 من 583

(أ) فجاءت بمعنى المقيم في غير وطنه، وبين قوم غير قومه.

فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".

وكان ابن عمر يقول:"إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" [1] .

فشبه صلى الله عليه وسلم الحال التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن الناسك المسدّد بحال الغريب الذي ليس له مسكن يؤويه، ولا بيت يكنه، وأموره كلها -من المركب والمأكل والمشرب والمسكن- مؤقتة عابرة لحال غربته.

قال ابن بطال:"لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس؛ بل هو مستوحش منهم، إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه .. فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل .. ؛ شبه بهما .. وفي ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف" [2] .

فألمح ابن بطال إلى جانب من المعنى، وهو أن المقصود تشبيه المؤمن بالغريب لقلة انبساطه إلى الناس، واستيحاشه منهم، وعدم استئناسه معهم.

وثمة جانب آخر من المعنى، وهو أن الغريب المزمع العودة إلى موطنه لا يكاد يتعلق قلبه بشيء في بلد غربته؛ بل قلبه متعلق بوطنه الذي سيعود إليه [3] .

وكذلك المؤمن: شأنه مع الدنيا ألا يتعلق قلبه بشيء منها، لتعلقه بالدار الآخرة، التي إليها الرجعى، وفيها المستقر.

وللمعنى جانب ثالث، وهو أن الغريب سالم من الرذائل التي منشؤها الاختلاط بالناس والانبساط إليهم، والاشتغال عن الخالق، فهو قليل الحسد

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، 81 - كتاب الرقاق، 3 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل: (7/ 170) . والترمذي في جامعه، 37 - كتاب الزهد، 25 - باب ما جاء في قصر الأمل، رقم الحديث (2333) ، (4/ 567 - 568) .

وابن ماجه في سننه، 37 - كتاب الزهد، 3 - باب مثل الدنيا، رقم الحديث (4114) ، (2/ 1378) مقتصرًا منه على المرفوع.

وابن حبان في صحيحه: كما في الإحسان، كتاب: ذكر الأخبار عن الوصف الذي يجب أن"يتصف"المرء به في هذه الدنيا الفانية الزائلة (كلمة"يتصف"ليست في المطبوعة، وأضفتها -ضرورة- ليستقيم السياق) رقم الحديث: (687) ، 2/ 57 - 58، وأخرج المرفوع منه أيضًا في روضة العقلاء: ص (148) ، ذكر الحث على لزوم القناعة.

والإمام أحمد في الزهد: ص (9) ، وفي المسند: (2/ 41، 24، 132) .

وابن أبي عاصم في الزهد: ص (72 - 73) ، رقم (185) مقتصرًا على المرفوع.

وابن المبارك في الزهد، باب التحضيض على طاعة الله عز وجل: ص (5) رقم (13) .

والخطابي في العزلة، باب في ترك الاستكثار من الأصدقاء .. ، ص (39) .

والطبراني في المعجم الصغير: من اسمه أحمد، (1/ 29 - 30) .

والبيهقي في السنن، كتاب الجنائز، باب ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قصر الأمل، (3/ 369) .

وأبو نعيم في الحلية: (3/ 301) في ترجمة مجاهد بن جبر، ورقمها (243) .

والنسائي في سننه الكبرى، في الرقائق، ذكره الحافظ المزي في تحفة الأشراف، في ترجمة عبد الله بن عمر، رواية عبدة بن أبي لبابة الأسدي عنه حديث رقم (7304) ، (5/ 481) .

والبغوي في شرح السنة، كتاب الرقاق، باب قصر الأمل، حديث رقم (4029) ، (14/ 230 - 231) ، وقال: هذا حديث صحيح.

والآجري في صفة الغرباء، باب الحث على بلوغ مراتب الغرباء، برقم: (18،19،20،21) ص (30 - 33) .

(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني: ... (11/ 234) .

(3) فتح الباري: (11/ 234 - 235) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت