ولذلك يجب أن نفرق بين هذه الغربة، وبين الغربة الأخيرة المستحكمة التي تكون قبيل قيام الساعة، والتي يدرس فيها الإسلام كما يدرس وشي الثوب، وتضيع معالم الدين جملة.
إذ إن الغربة الأخيرة هذه لا يكاد يوجد فيها مصلحون ولا دعاة، يعصيهم من الناس أكثر ممن يطيعهم، وتعم الغربة فيها أنحاء الأرض، حتى تترك المدينة لا يغشاها إلا الهوام، وهى - من قبل- عقر دار المسلمين والإسلام.
والغربة المذكورة على ثلاثة أنواع:
(الأول) غربة شرائع، بحيث تصبح بعض شرائع الإسلام غريبة، كالجهاد، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر؛ ولذلك وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام في بدايته، وفي نهايته بأنه غريب.
(الثاني) غربة مكان، وهى أن يكون الدين غريبًا في بلد من البلدان، ويكون أهله غرباء في ذلك البلد، بينما هم في بلد آخر أعزة ظاهرون، فالغربة تكون في مكان دون مكان.
(الثالث) غربة زمان، وهي الغربة المستحكمة المطبقة على الأرض كلها، بحيث يغدو الدين غريبًا في زمن من الأزمنة، في بقاع الأرض كلها، كما حدث قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا يكون في أمته صلى الله عليه وسلم بعد عهود عيسى عليه السلام، وقبل الساعة.
وقد توجد غربة بعض الشرائع دون بعض، في بعض البلدان، ويكون بعضها الآخر ظاهرًا معروفًا.
وقد يحدث لبعض الشرائع غربة زمان، بحيث تكاد تندرس ثم يحييها