الفصل الثالث
بين الغرباء، والفرقة الناجية، والطائفة المنصورة
مَن هُم الغرباء المقصودون في الحديث؟
المقصود من هذا الفصل التكميلي ربط موضوع الغرباء وصفاتهم، بالفرقة الناجية، بالطائفة المنصورة، وبيان إنْ كان ثَمَّة أوجه اختلاف بين هذه المسمَّيات الثلاثة.
فحين نتأمَّل أحاديث الغربة [1] ؛ نجد أن أكثر الصفات التي وُصف بها الغرباء إنما وردت من طرق ضعيفة لا تثبت.
إنما ثبت وصف الغرباء بالصلاح إذا فسد الناس [2] .
وهذه الاستقامة هي سرُّ غربتهم بين الناس، وإنما كانوا غرباء لقلَّتهم في وسط كثرة منحرفة من أهل السوء؛ ولذلك جاء وصفهم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بأنهم:"أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممَّن يطيعهم" [3] .
والمعنى: أنهم أُناس صالحون قليل.
وهذه الصفة مفهومة من وصف (الغرباء) الذين ارتبطت غربتهم بغربة الإسلام.
فالغرباء الأوَّلون هم كما قال البيهقي:"المهاجرون الذين هجروا أوطانهم في الله عز وجل" [4] .
وليست غربتهم لأنهم في وطن غير وطنهم، أو بين قوم غير قومهم -
(1) سبق تخريجها في التمهيد.
(2) من حديث سعد، وجابر، وسهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم.
(3) سبق تخريجه.
(4) "الزهد الكبير" (ص151) .