فحسب-؛ بل غربتهم الأساسيَّة لقلة المسلمين في ذلك الزمان.
وكذلك الحال بالنسبة للغرباء حين عودة الإسلام غريبًا:
أ- فهم المسلمون بين الكفار، حيث عددهم بالنسبة إليهم قليل.
ب- وكذلك هم الملتزمون بالشرع والسنة بين المسلمين.
جـ- وهم كذلك الداعون إلى ذلك بين سائر المتبعين للسنة.
وهذان الصنفان من الغرباء - أعني: الملتزمين بالسنة بين المسلمين، والداعين إليها من بين الملتزمين بها - لم يكونا موجودين في غربة الإسلام الأولى؛ لأن الناس كانوا حينئذ -في الأعم الأغلب- إما مؤمنٌ موحِّد متَّبع مجتهد في دينه، وإما كافرٌ محارب للدِّين معلنٌ للعداوة.
لكن بعد ما وجد الإسلام، وضرب بجرانه في الأرض، واستقرَّ أمرُه؛ بدأت الفتن، والأهواء، والاختلافات، تدب بين المسلمين، حتى تفرقوا شيعًا وأحزابًا، واختلفوا اختلافًا عظيمًا، فصار الملتزمون للنهج الأول غرباء بين غيرهم من المسلمين، وهؤلاء هم الفرقة الناجية.
وبذلك يظهر ارتباط الغربة بالفرقة الناجية.
وفي ذلك يقول الإمام الآجُرِّي:"وقوله صلى الله عليه وسلم:"وسيعود غريبًا"؛ معناه -والله أعلم-: أن الأهواء المضلَّة تكثرُ، فيضلُّ بها كثيرٌ من الناس، ويبقى أهل الحق -الذين هم على شريعة الإسلام- غرباء في الناس، ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"تفترق أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". قيل: من هي الناجية؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي" [1] ."
(1) "الغرباء" (ص24) .