ولما روى الخطيب البغدادي رحمه الله حديث ابن مسعود في الغرباء؛ قال:"قال عبدان [1] : هم أصحاب الحديث الأوائل" [2] .
وإذا كان الحديث عامًّا غير مخصص؛ فإننا لا نستطيع أن نقول: إن الفرقة الناجية هم -وحدهم- الغرباء، ولكنهم من الغرباء، خاصة وأن الحديث ربط البدء بالعودة، فقال:"بدأ ... وسيعود"، فعُلم أن غربة المسلمين كافة بين أهل الملل والأديان داخلة -أيضًا- في معنى الحديث.
أما الطائفة المنصورة؛ فيبدو ارتباط موضوعها بموضوع الغربة، من وصف عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما للغرباء بأنهم:"الفرَّارون بدينهم، يبعثهم الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة مع عيسى بن مريم" [3] .
وإذا كان من المعلوم أن آخر الطائفة المنصورة يقاتلون المسيح الدَّجَّال -أي: مع عيسى عليه السلام [4] -؛ ظهرت مناسبة بعثهم يوم القيامة مع عيسى عليه السلام.
فالطائفة المنصورة غريبة في الدُّنيا المائجة بالكفر البواح، وغريبة بين المسلمين الذين أكلتهم الأهواء والفتن؛ بل وغريبة داخل الفرقة الناجية التي لم يتصدَّ جميع أفرادها للإصلاح، ومقاومة عوامل الهدم والفساد في واقع الأمة.
وبهذا يظهر أن ثَمَّة غربة عامَّةً للمسلمين، وغربةً خاصَّةً للفرقة الناجية، وغربة أخصَّ منها للطائفة المنصورة.
وها هنا يثور سؤال: وهل ثَمَّة فرقٌ بين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟
وهل يمكن تصوُّر وجود تغاير بينهما؟
(1) هو: عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي العتكي مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزي الحافظ، وعبدان لقبه، وكان إمام أهل الحديث ببلده، وهو ثقة مأمون، ولد سنة (140هـ) ، وتوفي سنة (221هـ) .
انظر:"التهذيب" (5/ 313) .
(2) "شرف أصحاب الحديث": 6 - قول النبي صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبًا ..." (ص24) .
(3) سبق تخريجه.
(4) كما سبق تفصيله في الفصل المتعلق بالطائفة المنصورة في هذا الكتاب.