الصفحة 42 من 583

أسباب الغربة الأولى

إن أي دعوة جادة تنشأ لأول مرة في مجتمع من المجتمعات؛ تكون غريبة عليه، وغير مألوفة لديه؛ ولذلك تواجه في أول أمرها الاستغراب، والتوجس، والشك؛ بل وتواجه في معظم الأحيان: الرد، والرفض، والاستنكار.

وكلما بعدت الشقة وعظم الفرق بين الحال التي يعيشها هذا المجتمع -عقيدة وسلوكًا وتشريعًا-، وبين الصورة التي جاءت بها هذه الدعوة الجديدة؛ كان ذلك أدعى إلى عظم المواجهة، وضراوة الحرب، وشدة النفور.

ولو تصورنا الحال التي كانت تعيشها الجاهلية العربية الأولى التي بعث فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ومدى تغلغل الفساد، والهوى، والانحراف العقدي، والتشريعي، والسلوكي فيها ... ، وتعارف الناس على الأوضاع والمعتقدات الوثنية، وبناء حياتهم وتصرفاتهم كافة -حضرًا وسفرًا، فعلًا وتركًا- على هذه المعتقدات والتصورات ..

ثم تصورنا الدعوة التي يحملها المصطفى صلى الله عليه وسلم من لدن ربه عز وجل، وما فيها من الكمال، والجمال، والنقاء، والتطهر، والتوحيد، ورد الأمور كلها لله عز وجل، ورفض كل الآلهة المدعاة، وتسفيه أحلام عابديها على مدار الزمان، وإعادتها إلى أوضاعها الطبيعية: أحجارًا أو أشجارًا أو تماثيل؛ لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر ... ، ونبذ المعتقدات الضالة المتعلقة بالملائكة، أو بالجن، والمتأصلة في عقلية الرجل العربي، وتغيير الشعائر، والمناسك، والتشريعات، والعوائد الاجتماعية، والقبلية، والدينية التي تسيطر على هذه البيئة ...

لو تصورنا هذه إلى جنب تلك في كل مجالات الحياة، والاعتقادات التي جاء الإسلام لتغييرها، وإعادتها إلى أصولها الصحيحة؛ لأدركنا طبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت