المعركة التي كان لابد أن تثور وتدور بين هذا الوضع الثابت المستقر الموروث، وبين هذه الدعوة الجديدة الناشئة.
وهذا الأمر وحده -وهو الفرق الشاسع بين صورة الجاهلية المهلهلة المظلمة المضطربة، وبين الحقيقة الناصعة القوية التي جاء بها الإسلام- كاف في تعليل الغربة الأولى التي واجهها، وعاناها النبي عليه الصلاة والسلام في مطلع الدعوة .. ، واستمرت آثارها فترة ليست بالقصيرة من عمر الدعوة الأولى.
ولكن ثمة بعض الأسباب التفصيلية التي يحسن ذكرها لأهميتها البارزة في تفسير هذه الغربة [1] .
أولًا: ضعف تأثير النبوات في جزيرة العرب:
فمن ذلك ضعف تأثير النبوات في جزيرة العرب، حيث لم يبعث إليهم نبي قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برسالته العامة الخاتمة، كما أخبر الله تعالى عن ذلك في كتابه حيث يقول: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [2] ، ويقول (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ) [3] .
قال ابن جريج رحمه الله:"... لم يأتهم ولا آباءهم، لم يأت العرب رسول من الله عز وجل" [4] .
وورد نحو هذا المعنى عن قتادة رحمه الله [5] .
وقال تعالى مبينًا نفي إنزال الكتب عليهم، أو إرسال الرسل إليهم: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ) [6] .
ومهما يكن معنى هذه الآيات؛ فإن العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا يدينون بدين، ولا يدرسون كتابًا من الكتب
(1) إن تسجيل هذه الأسباب نوع من الاستقراء الموضوعي الذي لا يدَّعى فيها الحصر، بل هو اجتهاد من المؤلف، نظرًا لعدم الاطلاع على كتابة في هذا الموضوع نفسه، والله أعلم.
(2) سورة السجدة: آية 3.
(3) سورة يس: آية 6.
(4) ذكره السيوطي في الدر المنثور، ونسبه لابن المنذر: (6/ 537) .
(5) رواه ابن جرير في تفسيره: (22/ 150) ، ونسبه السيوطي لعبد بن حميد وابن المنذر. الدر المنثور: (7/ 42) .
(6) سورة سبأ: آية 44.
أما الجمع بين هذه الآيات وبين قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) .. سورة فاطر: آية 24، وما أشبهها.
فقد اختلفوا فيه، والذي يظهر أن الآيات المثبتة هنا على ظاهرها في نفي مجيء الرسل، ونزول الكتب على جنس العرب، وأن قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) يعني: أمة من الأمم الأخرى غير الأمة التي بُعثتَ فيها يا محمد؛ لأنه ذكر إرساله صلى الله عليه وسلم بالحق بشيرًا ونذيرًا في العرب، ثم بين أن هذه سنته تعالى في خلقه؛ أن يبعث فيها الرسل مبشرين ومنذرين، فكأن المعنى: ما من أمة من الأمم إلا بعثنا فيها نذيرًا ينذرها، إلا هذه العرب، فبعثناك فيهم، والله أعلم. وانظر في هذا: تفسير البغوي: (3/ 497) ، روح المعاني للألوسي: (11/ 117 - 119) ، تفسير ابن كثير: (3/ 542، 552) .